الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائيةخارج الحدود

المغرب وتايلاند في قلب ملف غسل أموال التعويضات الاجتماعية بفرنسا

ضربة قلم

لم تعد الجرائم المالية، تُرتكب في الأزقة الخلفية، ولا تُخفى في الحقائب السوداء، بل صارت تُدار بأوراق رسمية، وشركات أنيقة، وعقود شراء في مشاريع وعقارات، تبدو في ظاهرها قانونية. هكذا تتحول أموال الاحتيال إلى “استثمار”، وتغدو الجريمة رقماً في سوق العقار، بدل أن تكون ملفاً في سجل القضاء.
في هذا السياق، فجّرت صحيفة لوبارزيان الفرنسية، معطيات ثقيلة الدلالة، كشفت من خلالها عن شبكة إجرامية، نجحت في نهب ملايين اليوروهات من نظام التعويضات الاجتماعية الفرنسي، قبل أن تعمد إلى تهريبها، خارج البلاد وتوظيفها في مشاريع عقارية، خصوصاً في المغرب وتايلاند. قضية لا تطرح فقط أسئلة جنائية، بل تفتح نقاشاً أوسع، حول هشاشة أنظمة المراقبة المالية، وكيف يمكن للجريمة المنظمة، أن تعبر الحدود بسهولة، تفوق أحياناً حركة الاستثمارات النظيفة.

أفادت الصحيفة الفرنسية، أن تحقيقات أمنية معمقة، أنجزها الدرك الفرنسي، كشفت تورط شبكة منظمة، في اختلاس مبالغ ضخمة من التعويضات الاجتماعية، بلغت نحو 9 ملايين يورو، جرى لاحقاً غسلها، عبر اقتناء أصول عقارية ومشاريع خارج فرنسا.

ووفق المعطيات نفسها، فإن العقول المدبرة، لهذا الاحتيال اعتمدت أسلوباً، يقوم على إنشاء شركات وهمية، في قطاعات تعاني خصاصاً في اليد العاملة، مثل البناء والمطاعم. وكان المخطط، يقوم على إقناع مقاولات حقيقية، بتوظيف عمال عبر هذه الشركات الوهمية، مقابل إعفائهم من أداء الاشتراكات الاجتماعية، في التفاف خطير على القوانين المنظمة للحماية الاجتماعية.

ولإضفاء طابع المصداقية على هذه العمليات، عمد المتورطون إلى إصدار كشوف رواتب مزورة لما يقارب 2000 شخص، قبل أن يكتشف هؤلاء لاحقاً ضياع حقوقهم الاجتماعية، عند مراجعتهم لصناديق الإعانات العائلية (CAF). وهو ما حوّل القضية من مجرد احتيال مالي، إلى اعتداء مباشر على حقوق آلاف العمال.

وتشير مراسلات رسمية، أوردتها الصحيفة في عددها الصادر يوم الأمس، إلى أن المحققين، رصدوا تحويلات مالية مشبوهة وُجهت للاستثمار العقاري، في كل من المغرب وتايلاند، ما يؤكد أن الأموال المختلسة، لم تبق داخل التراب الفرنسي، بل جرى تهريبها ضمن مسار واضح، لغسل الأموال عبر الحدود.

وفي هذا الإطار، وجّه القضاء بمدينة “بوفي” يوم 29 يناير الماضي تهماً لأربعة أشخاص (رجلين وامرأتين)، يُشتبه في كونهم العقول المدبرة لهذه الشبكة، مع إيداع أحدهم رهن الحبس الاحتياطي. كما جرى توقيف المشتبه فيهمن في مناطق “أواز” و”فار” و”بوش دو رون”، وأسفرت العمليةن عن حجز أصول بقيمة تقارب 400 ألف يورو، كمرحلة أولى.

وخلال المداهمات الأمنية، ضبطت السلطات سيارات رياضية فاخرة، ومبالغ نقدية مهمة، إضافة إلى أسلحة نارية، كانت بحوزة المتهمين، في مؤشر على أن الشبكة، لم تكن تشتغل فقط في الاحتيال المالي، بل راكمت مظاهر ثراء سريع، لا تتناسب مع أنشطتها المعلنة.

وبحسب ما نقله الادعاء العام الفرنسي والدرك الفرنسي، فإن التحقيقات جارية بتنسيق مع جهات دولية، لتحديد الحجم الحقيقي للعقارات، التي تم اقتناؤها خارج فرنسا، تمهيداً لمحاولة استرجاع هذه الأصول، وإعادتها إلى صندوق الضمان الاجتماعي الفرنسي.

وأوضحت الصحيفة، أن التوسع الدولي في عمليات غسل الأموال، دفع السلطات إلى تسريع وتيرة التدخل الأمني، خشية فرار المتورطين إلى الخارج، أو تهريب ما تبقى من الأموال المختلسة، ما قد يعقّد مساطر المتابعة القضائية، واسترجاع الحقوق.

وفي سياق متصل، وجّه القضاء الفرنسي، تحذيراً مباشراً إلى الشركات التي تعاملت مع هذه الشبكة، مؤكداً أنها قد تواجه بدورها ملاحقات جنائية، وغرامات مالية ثقيلة، مع إلزامها بتسوية وضعيتها القانونية، مع مصالح الضمان الاجتماعي.

تكشف هذه القضية، أن الجريمة الحديثة، لم تعد تسرق فقط، بل تستثمر، ولم تعد تختبئ في الظل، بل تدخل السوق عبر بوابة العقار والمشاريع. كما تطرح تساؤلات محرجة، حول قدرة الأنظمة المالية، على التمييز بين مستثمر حقيقي، ومبيّض أموال محترف.
أما ذكر المغرب في هذا الملف، فهو لا يعني تورط مؤسسات وطنية، بقدر ما يسلط الضوء، على ضرورة تشديد المراقبة على تدفقات الرساميل الأجنبية، حتى لا تتحول أسواق الاستثمار، إلى ملاذ آمن لأموال الاحتيال القادمة، من وراء الحدود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.