الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المغرب يرفض أن يكون محطة ترحيل.. والمواطن المغربي يسأل: ومن سيحميني؟

ضربة قلم

في ملف الهجرة، يبدو أن المغرب دخل منذ سنوات في مسلسل مكسيكي طويل، لكن الفرق أن المسلسلات المكسيكية تنتهي بعد مئات الحلقات، بينما مسلسل الهجرة عندنا، يبدو أنه لا يزال يبحث عن كاتب السيناريو!

المغرب لا يريد أن يتحول إلى مستودع أوروبي للمهاجرين، ولا إلى غرفة انتظار ضخمة، لمن تريد أوروبا أن تعيدهم إلى إفريقيا. وهذه مسألة مفهومة من زاوية السيادة والقدرة والاستطاعة. فقد سبق أن رفض المغرب مقترحات أوروبية لإنشاء مراكز لإيواء المهاجرين الأفارقة على أراضيه، كما أن موضوع إعادة مواطني دول ثالثة، ظل لسنوات نقطة حساسة في العلاقة المغربية الأوروبية.

لكن هنا تبدأ الحكاية، التي تجعل المواطن المغربي يضحك… ثم يتوقف عن الضحك!

لأن المواطن المغربي الذي يعيش في بعض الأحياء، التي تحولت إلى فضاءات للتوتر، لا يعيش داخل مؤتمر دولي في بروكسيل، ولا يجلس حول طاولة مفاوضات بين الرباط ومدريد وبروكسيل.

هو يعيش في الحي.

يمشي في الزنقة.

يركب الطاكسي.

يخرج هاتفه من جيبه.

يرجع إلى بيته ليلاً.

ويبحث عن الأمن، قبل أن يبحث عن الجغرافيا السياسية!

وقد شهدت الدار البيضاء خلال مارس الماضي، مثلاً، وقائع وصدامات بين بعض المهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء وسكان محليين، على خلفية اتهامات بالسرقة والاعتداء، فيما تدخلت الشرطة وأوقفت مشتبهين في وقائع موثقة. كما شهدت بعض المناطق، حملات أمنية بعد شكاوى من مواطنين، بشأن العنف والسرقة من طرف بعض المهاجرين غير النظاميين.

وهنا، بالله عليكم، ماذا تريدون من المواطن أن يفعل؟

أن يتعرض للسرقة، ثم يخرج إلى الشارع ويقول:

“شكراً للاتحاد الأوروبي على حسن التدبير!”؟

أم عندما يتعرض للاعتداء يقول:

“الحمد لله، على الأقل لم أُرحَّل إلى إسبانيا!”؟

المواطن المغربي، لا يطلب طرد أحد لأنه إفريقي، ولا يطلب تحويل المغرب إلى سجن كبير للمهاجرين.

هو يطلب شيئاً بسيطاً جداً:

من يرتكب الجريمة يُحاسب، ومن لا يرتكبها يُترك وشأنه، والجنسية لا تكون لا رخصة للجريمة ولا سبباً للعقوبة.

وهذا هو الفرق بين دولة القانون، ودولة “الله يجعلها غير دوز”!

لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث، هو أن يتحول ملف الهجرة إلى مباراة في تبادل المسؤوليات:

أوروبا تقول:
المغرب، خذهم!

المغرب يقول:
لا، شكراً!

إسبانيا تقول:
لدينا حدود!

المغرب يقول:
ولدينا حدود أيضاً!

والاتحاد الأوروبي يقول:
لدينا أموال مخصصة للهجرة!

والمواطن المغربي، الذي لا يعرف أين ذهبت كل هذه الأموال، ولا من يقرر في مصيره، يقول:

“وأنا؟ عندي حتى أنا حدود… حدود الصبر!”

ثم تأتي المفارقة الأكبر.

أوروبا تريد من المغرب، أن يكون حارساً لحدودها الجنوبية.

أي أنها تريد من المغرب أن يكون شيئاً يشبه حارس العمارة الأوروبية:

لا تدخلوا!

قف!

أرني جواز السفر!

إلى أين؟

من أين أتيت؟

ومن سمح لك؟

لكن عندما يتعلق الأمر بمن سيبقى داخل المغرب، ومن سيغادر المغرب، ومن سيعاد إلى بلده، فجأة يصبح الموضوع معقداً جداً، وتبدأ الاجتماعات واللجان والمفاوضات والاتفاقيات والبروتوكولات.

أما المواطن المغربي، فليس لديه لا لجنة ولا بروتوكول.

عنده فقط هاتف مسروق!

أو دراجة اختفت!

أو اعتداء!

أو حي أصبح، يعيش تحت ضغط التوتر!

ولذلك، فإن الحديث عن الهجرة، يجب ألا يتحول إلى خطاب عنصري، كما يجب في الوقت نفسه، ألا يتحول إلى رومانسية سياسية ساذجة، تجعل كل من يعبر الحدود ملاكاً، وكل من يشتكي من وضع أمني عنصرياً.

هذه هي الحقيقة التي لا تعجب البعض:

المهاجر إنسان، والمغربي إنسان، والضحية إنسان، والمجرم إنسان أيضاً… لكن الفرق أن المجرم، أياً كانت جنسيته، يجب أن يجد أمامه القانون لا الطيبة الزائدة!

والأخطر من ذلك أن المواطن المغربي نفسه، قد يجد نفسه في بعض الأحيان هو الضحية المباشرة، ثم يطلب منه أن يصمت حتى لا يُتهم بالعنصرية!

وهنا تصبح المعادلة مضحكة إلى درجة البكاء:

إذا اشتكى المواطن من السرقة، قيل له:
لا تعمم!

وهو أصلاً لا يريد التعميم.

إذا طالب بالأمن، قيل له:
احذر من خطاب الكراهية!

وهو أصلاً يريد الشرطة، لا الكراهية.

إذا قال إن هناك أحياء تعرف مشاكل، قيل له:
المهاجرون ضحايا!

نعم، قد يكونون ضحايا.

لكن هل المواطن الذي تعرض للاعتداء كان فيلماً وثائقياً؟

أليس هو أيضاً ضحية؟

وهنا يجب أن نقولها بوضوح:

التضامن مع المهاجر لا يعني التخلي عن المواطن المغربي.

وحماية المواطن المغربي، لا تعني تحويل المهاجر إلى عدو.

المعادلة العاقلة هي:

احمِ المهاجر من الاستغلال والعنف، واحمِ المواطن من الجريمة والعنف، وطبّق القانون على الجميع دون بطاقة هوية سياسية أو جواز سفر عاطفي.

أما أن يتحول المغرب إلى منطقة عازلة، بين إفريقيا وأوروبا، فهذا أمر آخر.

لأن أوروبا إذا كانت تريد إغلاق أبوابها، فهذا حقها في إطار قوانينها.

لكن لا يمكن أن تقول للمغرب في الوقت نفسه:

“احرس لي الباب، واستقبل لي من أعيده، وتكفل لي بمن لا أريده، وحل لي مشكلة الهجرة، وإذا تعبتَ… ابتسم!”

لا يا سادة.

المغرب ليس غرفة انتظار أوروبا.

وليس أيضاً مخزناً للمهاجرين.

وفي المقابل، ليس من المقبول، أن تتحول بعض المدن المغربية إلى فضاءات، يشعر فيها المواطن بأنه مطالب بأن يدافع عن حقه في الأمن ،بصوت منخفض حتى لا يغضب أحد!

لقد أصبحنا أمام وضع، يحتاج إلى سياسة واضحة:

من يدخل بطريقة غير نظامية، فهناك قانون.

من يقيم بطريقة غير قانونية، فهناك قانون.

من يشتغل ويحترم القانون، فله حقوقه.

ومن يرتكب جريمة، فله القضاء.

ومن يتعرض للظلم، فله الحماية.

والجنسية لا ينبغي أن تكون لا حصانة ولا إدانة.

وهذه ليست عنصرية.

هذه اسمها دولة القانون.

أما أن نترك الأمور تتخمر في الأحياء، ثم ننتظر حتى يتحول الاحتقان إلى شجار جماعي، ثم نرسل الشرطة بعد أن تتحول الزنقة إلى حلبة مصارعة، فهذه ليست سياسة للهجرة.

هذه سياسة:

“نطفيو العافية من بعد ما تشعل!”

والأغرب أن أوروبا نفسها، بدأت تكتشف أن ملف الهجرة، ليس نزهة في حديقة.

ففي أزمة سبتة الأخيرة، دخل عشرات الآلاف إلى المدينة خلال موجة هائلة في أواخر يوليوز، قبل أن يعود عدد كبير منهم إلى المغرب؛ وأعلنت السلطات الإسبانية لاحقاً أن أكثر من 48 ألف شخص عادوا إلى المغرب من أصل نحو 50 ألفاً دخلوا خلال تلك الموجة وفق الأرقام التي نقلتها وسائل إعلام عن وزارة الداخلية الإسبانية.

واليوم، وبعد أيام فقط، عادت سبتة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، بينما عزز المغرب بدوره وجوده الأمني على الحدود، وسط تحذيرات من محاولات جديدة للعبور الجماعي.

يعني باختصار:

أوروبا أغلقت الباب.

المغرب شدّ الباب.

والمهاجر ظل يبحث عن نافذة.

أما المواطن المغربي، فظل واقفاً في الحي يسأل:

“والباب ديال الأمن الاجتماعي… شكون غادي يحرسو؟!”

وهنا نصل إلى جوهر القضية.

لا نريد مغرباً، يكره المهاجر.

ولا نريد مغرباً، يخاف من المهاجر.

نريد مغرباً يطبق القانون على المهاجر والمغربي معاً.

لأن المواطن المغربي الذي يتعرض للسرقة أو الاعتداء، لا يجب أن يشعر بأنه أصبح رقماً ثانوياً في معادلة الهجرة الدولية.

والمهاجر الذي لم يرتكب أي جريمة، لا يجب أن يتحول إلى مجرم فقط، لأنه فقير أو أسود البشرة أو جاء من جنوب الصحراء.

أما من يرتكب الجريمة…

فلا نريد له لا خطاباً حقوقياً على المقاس، ولا تعاطفاً سياسياً انتقائياً، ولا شيكاً على بياض.

نريد فقط:

الشرطة، والنيابة العامة، والقضاء.

وبعبارة أكثر اختصاراً، تصلح لأن تكون خاتمة هذا المسلسل المكسيكي الطويل:

المغرب ليس سلة أوروبا الخلفية… والمواطن المغربي ليس حائطاً قصيراً… والمهاجر ليس مجرماً لمجرد أنه مهاجر… لكن المجرم، مهما كان أصله، لا ينبغي أن يجد في الفوضى وطناً بديلاً!

وإذا كانت أوروبا تريد من المغرب أن يحرس حدودها، فليكن السؤال المقابل بسيطاً:

ومن سيحرس المواطن المغربي؟

لأن هذا المواطن دفع ثمن القهوة، ودفع ثمن الهاتف، ودفع الضرائب، ودفع فاتورة الغلاء…

وفي النهاية، لا يمكن تحميل أوروبا وحدها مسؤولية هذا الوضع.

فالمغرب، قبل أن يصل الملف إلى ما وصل إليه اليوم، دخل في اتفاقيات وتعاونات مرتبطة بالهجرة، وتلقى أموالاً وتمويلات لهذا الغرض، وقبل عملياً أن يلعب دور الحارس المتقدم للحدود الأوروبية.

لذلك، إذا كانت أوروبا مسؤولة عن جزء من المشكلة، فإن المغرب مسؤول أيضاً عن كيفية تدبير ما قبله من أموال والتزامات وملفات، وعن النتائج التي وصلت إليها الأمور داخل بعض المدن والأحياء.

والمواطن المغربي، لا يريد خطابات عنصرية، ولا يريد طرد الأبرياء، لكنه يريد شيئاً أبسط:

أن يعرف أين ذهبت الأموال، وماذا حققت، ومن يتحمل المسؤولية عندما تفشل السياسات.

لأن المواطن، لا ينبغي أن يكون هو الحلقة الأخيرة، في سلسلة طويلة من الأخطاء، ثم يُطلب منه أن يدفع الفاتورة ويبتسم!

أوروبا لها حساب… والمغرب له حساب… والمواطن المغربي، لا يجب أن يكون هو من يؤدي الحسابين!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.