الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المقاهي في المغرب: معاقل للرأي العام أم مصانع للبطالة؟

ضربة قلم

المقاهي في المغرب – كما في غيره من المجتمعات – لم تعد مجرد فضاءات لشرب القهوة أو تبادل أطراف الحديث، بل تحولت مع مرور الزمن إلى ما يشبه معاقل اجتماعية وسياسية وثقافية، لها تأثير يفوق ما يتصوره الكثيرون.
فحين نتجول في شوارع المدن والقرى، نلاحظ أن المقهى لم يعد مكانًا عابرًا، بل صار مؤسسة قائمة الذات، لها جمهورها الثابت وأدوارها المتعددة.
1. المقهى كـ”برلمان شعبي”
كثيرًا ما يُقال إن المقهى هو البرلمان الحقيقي للشعب. ففيه تُناقش القضايا الكبرى كما الصغرى: من السياسة والاقتصاد إلى مشاكل الجوار وكرة القدم. المقهى يمنح الناس منبرًا حرًا، بعيدًا عن قيود المؤسسات الرسمية. يجتمع الأصدقاء أو الغرباء على الطاولة نفسها، يتجادلون بحماسة، وكأن كل واحد منهم وزير أو نائب. وهكذا، يتحول المقهى إلى فضاء لتفريغ الهموم، لكنه في الوقت نفسه مصنع للرأي العام الشعبي.
2. المقهى كملجأ للعاطلين
في المدن الكبرى والصغرى على حد سواء، أصبحت المقاهي ملاذًا للشباب العاطل. يجلسون بالساعات، يتأملون المارة، يتحدثون عن أحلام مؤجلة وفرص ضائعة. الكوب الواحد من الشاي أو القهوة قد يمتد لساعات طويلة، ليكون تذكرة الجلوس داخل فضاء يمنحهم على الأقل شعورًا بالانتماء. وهنا تطرح الأسئلة المؤرقة:
هل المقهى يخفف من أزمة البطالة؟
أم أنه يكرسها بتحويل الانتظار إلى عادة، والفراغ إلى أسلوب حياة؟
3. المقهى كأداة مراقبة غير رسمية
المثير أن المقهى أيضًا يتحول إلى نقطة مراقبة اجتماعية. من يجلس في الزاوية المطلة على الشارع يعرف من دخل ومن خرج، من مر ومن غاب. بل إن بعض المقاهي أصبحت أشبه بمراكز لـ”الرصد الاجتماعي”، حيث تمر أمام عيون مرتاديها تفاصيل يومية صغيرة، تتحول سريعًا إلى أخبار تُروى وتُتداول. إنها صحافة المقهى، بوسائلها الخاصة، وبدون محررين أو مدققين.
4. المقاهي والسياسة الخفية
لا يخفى أن بعض المقاهي تتحول إلى فضاءات للتنظيم السياسي غير المعلن:
اجتماعات سرية بين نشطاء.
لقاءات انتخابية مبطنة.
تداول خطط بين أعضاء جماعات أو تيارات.
المقهى، بما يمنحه من أجواء عادية وغير مثيرة للريبة، يصبح غلافًا مثاليًا للنقاشات الجادة التي قد لا تجد مكانًا في القاعات الرسمية.
5. المقهى كفضاء ثقافي وفني
لا يمكن أن نغفل أن المقاهي عبر التاريخ شكلت حاضنة للمبدعين. كم من شاعر كتب بيتًا على طاولة خشبية، وكم من روائي رسم شخصية وهو يحتسي قهوته، وكم من فنان تشكلت لديه فكرة لوحة أو لحن داخل ضجيج المقهى. بعض المقاهي العريقة في المغرب، مثل مقاهي طنجة والرباط وفاس، ارتبطت بأسماء أدباء عالميين ووطنيين.
6. الوجه المظلم للمقاهي
لكن، كما لكل ظاهرة جانبها المضيء، هناك أيضًا ظل ثقيل:
انتشار التدخين والشيشة.
المقاهي التي تتحول إلى أوكار للقمار.
أخرى تُستغل لترويج المخدرات أو لتسهيل أعمال مشبوهة.
ومقاهٍ مختلطة بين الجنسين تتحول إلى فضاءات للعلاقات الملتبسة.
هنا ننتقل من المقهى كـ”ملجأ اجتماعي” إلى المقهى كـ”مأزق اجتماعي”، يطرح أسئلة عن دور السلطات وعن مسؤولية الأسر.
7. المقهى والهوية الحضرية
المقاهي اليوم أصبحت جزءًا من هوية المدن. هناك مدن تُعرف بمقاهيها: مقهى قديم يطل على البحر، أو آخر في قلب حي شعبي. إننا لا نتحدث فقط عن أماكن لاحتساء القهوة، بل عن ذاكرة جماعية تُبنى داخل جدرانها.
خاتمة
المقاهي التي تتحول إلى معاقل ليست مجرد صورة بلاغية، بل حقيقة مركبة. فهي معاقل للراحة والهروب من ضغوط الحياة، معاقل للرأي العام وللسياسة غير الرسمية، معاقل للثقافة والفن، لكنها أيضًا قد تكون معاقل للبطالة والتسيب والانحراف.
إن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن أن نعيد للمقهى دوره الإيجابي كفضاء للحوار والإبداع، دون أن نتركه يسقط في فخاخ التبذير والفراغ والأنشطة غير المشروعة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.