الممتلكات الجماعية بالمحمدية: بين إرث الأمس وفوضى اليوم… لجنة الداخلية على خط ما ظلّ مسكوتًا عنه

ضربة قلم
لم تكن قضية الممتلكات الجماعية بالمحمدية ملفًا عابرًا أو حادثة معزولة في ذاكرة المدينة؛ بل كانت وما تزال جرحًا مفتوحًا، يذكّر كل ساكن بأن ما شُيّد يوما لخدمة الصالح العام، تحوّل تدريجيًا إلى غنيمة خاصة، تتقاسمها فئات محدودة استفادت من قربها من القرار ونفوذها الإداري والسياسي.
لقد بدأ الأمر بشكل بسيط، هادئ، وبعناوين اجتماعية براقة: “تسكين موظفين”، “حل أزمة السكن”، “دعم الاستقرار الأسري”. لم يكن أحد يتوقع أن بيوت الجماعة، وبالأخص الفيلات ذات القيمة العقارية العالية، ستتحول، مع مرور الزمن، إلى ملكيات شبه شخصية تقطنها عائلات وأصهار وأبناء أولئك الذين ارتبطت وظيفتهم يومًا بالجماعة. لكن ما جرى لم يتوقف عند حدود الاستفادة المشروعة، بل تجاوزها إلى التفويت غير المعلن، والبيع غير الرسمي، والتصرف في السكن الجماعي، كما لو كان إرثًا خاصًا.
أخطر ما في القصة، أن هذه التحولات حدثت في “صمت إداري” شبه مطبق. تقاعد الموظفون، غادروا الوظيفة، غابوا عن الواجهة، لكن المنازل لم تعُد إلى خزينة الجماعة، ولم تُسترجع كما تنص القوانين. على العكس، انتقلت إلى أشخاص آخرين بطريقة “ناعمة”، لا تثير الجلبة، ولا تُحدث ضجيجًا، لكنها تقتطع من الملك العام قطعة تلو أخرى.
اليوم، يعود الملف إلى الواجهة من جديد، ليس لأن أحدًا قرر أن يفتح الجرح طوعًا، بل لأن منسوب التساؤلات ارتفع، وتضخم حجم الشبهات إلى درجة، لم يعد السكوت معها ممكنًا. وهنا، تبرز المعطيات المتداولة حول حلول لجنة موفدة من وزارة الداخلية بالمحمدية، لتفحص الملف نفسه، وتدقق في الدفاتر، وتحاول فهم ما جرى خلال عقود من الاستغلال غير السليم.
وجود لجنة مركزية لا يعني فقط مراجعة أوراق قديمة؛ بل يُفهم منه أن الدولة شعرت بوجود خلل بنيوي، يحتاج إلى تدخل من خارج المدينة، لأن المؤسسات المحلية لم تعد قادرة – أو ربما لم ترغب – في وضع النقاط على الحروف. وهذا بحد ذاته مؤشر على انتقال الموضوع من خانة “حكايات المقهى” إلى مستوى “القضية العمومية”.
في الخلفية، تتراكم أسئلة محرجة:
-
كيف سمح لمن تقاعد أن يحتفظ بسكن الجماعة؟
-
كيف انتقلت فيلات إلى أشخاص لا علاقة لهم بالوظيفة؟
-
من صمت؟ ومن سكّت؟ ومن استفاد؟
-
أين كان دور المراقبة المالية والإدارية؟
-
هل نحن أمام ملفات تزوير، أم تواطؤ، أم مجرد تقاعس جماعي؟
ولأن الفيلات ليست مجرد جدران، بل عقار ثمين، فإن الثمن الذي دفعته المدينة يتجاوز الخسارة المالية إلى خسارة الثقة. فالقانون حين يتهاوى أمام الامتيازات الخاصة، يصبح المواطن العادي مجرد متفرج في مسرح لا يُسمح له بدخول كواليسه.
اللافت أن المنازل المعنية لم تُمنح لعائلات فقيرة، تبحث عن سقف يحمي صغارها من قسوة الشارع؛ بل استقر فيها موظفون جماعيون، وأصهارهم، وذوو نفوذ داخل الإدارة، ممن يفترض أنهم الأكثر دراية بقواعد القانون وواجب احترامه. ومع ذلك، تحولت العلاقة مع الملك العام من “الأمانة” إلى “الملكية”، ومن الخدمة إلى الاستحواذ.
عودة اللجنة قد تفتح بابًا للتصحيح، لكنها – في العمق – امتحان لمدى قدرة الدولة على استرجاع ما ضاع، ومساءلة من استباح ما لا يملك. فالتاريخ يخبرنا أن ملفات الفساد العقاري هي الأكثر تعقيدًا، والأكثر مقاومة، لأن أصحابها لا يخسرون فقط المال، بل يخسرون الامتياز الاجتماعي، والنفوذ، و”هالة الاستحقاق”.
الشارع، من جهته، يتابع بصمت ممزوج بالشعور بأن الوقت حان لوضع حد للفوضى، وأن ما كان يتم في الظل، يجب أن يُعرض اليوم تحت ضوء شديد. فالمدينة التي تنمو، وتراهن على مستقبل عمراني واجتماعي واعد، لا يمكن أن تبنى على أساس هش، ولا أن تستمر في تحمل نتائج أخطاء الماضي دون حساب.
المرحلة المقبلة ستكشف الكثير: إما تصحيح جذري، يعيد الاعتبار للملك الجماعي، أو حلول ترقيعية تحفظ ماء الوجه وتبقي الوضع على حاله. لكن الأكيد أن سكان المحمدية – ممن تعبوا من الوعود والملفات المعلقة – ينتظرون أكثر من مجرد زيارات رسمية؛ ينتظرون العدالة، واسترجاع الحقوق، ومسح آثار زمنٍ صنعت فيه الامتيازات الخاصة على أنقاض المصلحة المشتركة.




