المناصب العليا… حين يحكم دم النسب بدل عرق الجهد

ضربة قلم
المحسوبية في الوظائف العليا ليست مجرد انحراف إداري أو خطأ فردي عابر، بل هي مرض مزمن ينخر في مؤسسات الدولة ويعيد تشكيل قواعد اللعبة الاجتماعية والاقتصادية على أسس غير عادلة.
هي اللحظة التي يتحول فيها منصب “مدير عام” أو “مستشار في وزارة” أو “رئيس مجلس إدارة” من فرصة لخدمة الوطن إلى جائزة تُمنح بناءً على الانتماء العائلي، أو شبكة المصالح، أو الصلة بفلان أو علان، لا على أساس الكفاءة أو الخبرة أو الشهادة.
تخيل أنك قضيت سنوات في التحصيل الأكاديمي، تسهر على أطروحتك، تحضر المؤتمرات، وتكد في العمل الميداني، لتجد في النهاية أن المنصب الذي حلمت به منذ تخرجك قد ذهب إلى شخص آخر لأن اسمه الأخير يتطابق مع اسم عائلة نافذة، أو لأنه صديق ابن مسؤول كبير.
في تلك اللحظة، تتأكد أن معيار “اللقب العائلي” أصبح أقوى بكثير من أي شهادة جامعية، وأن “ورقة النسب” باتت تزن في ميزان التوظيف أكثر من شهادة الدكتوراه.
المحسوبية في الوظائف العليا ليست فقط إقصاءً للكفاءات، بل هي إعادة إنتاج دائمة للفشل.
عندما يتولى المناصب الكبرى أشخاص بلا خبرة حقيقية، فإن القرارات تصبح ضعيفة، والمشاريع العمومية تنهار قبل أن تبدأ، والموارد تُهدر في تجارب عبثية.
الأسوأ من ذلك أن هذا النمط يغذي ثقافة عامة مفادها أن النجاح لا يأتي من الاجتهاد أو الإبداع، بل من القدرة على الانضمام إلى دائرة النفوذ أو إرضاء أهل القرار.
الأثر الاجتماعي لهذا الوضع أخطر مما يبدو؛ إذ يزرع الإحباط في نفوس الشباب، ويقنعهم بأن الأبواب مغلقة إلا لمن يملك “المفتاح السحري” المتمثل في العلاقات العائلية والسياسية.
هذا الإحباط قد يتحول إلى هجرة جماعية للكفاءات، أو إلى عزوف عن المشاركة في الحياة العامة، أو حتى إلى تفشي مظاهر اللامبالاة والاحتجاج غير المنظم.
وبمرور الوقت، تتآكل ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويصبح الانتماء للوطن شعورًا رماديًا مشوشًا.
اقتصاديًا، المحسوبية في الوظائف العليا هي نوع من “التبذير الاستراتيجي”؛ لأنك تضع شخصًا غير مؤهل على رأس مؤسسة أو مشروع، فتضاعف التكاليف وتقلل المردودية.
القرارات الخاطئة التي يتخذها هؤلاء قد تكلف خزينة الدولة أضعاف ما كان يمكن إنجازه لو تم اختيار الشخص المناسب.
بل إن بعض الدول عانت من أزمات اقتصادية كبرى كان أحد أسبابها المباشرة سوء التسيير الناتج عن المحسوبية.
سياسيًا، هذه الظاهرة تضعف مفهوم الديمقراطية الحقيقية، لأن القرارات التي يفترض أن تخدم الشعب تصبح رهينة شبكة ضيقة من المصالح العائلية، وتتحول المناصب إلى “إقطاعيات” صغيرة لا يدخلها إلا من يحمل اسمًا بعينه أو يرتبط بصلات معينة.
هنا تتكرس الفجوة بين “الطبقة المستفيدة” و”بقية الشعب”، وتختفي فكرة تكافؤ الفرص.
ولكي نكون منصفين، المحسوبية لا تُعالج فقط بالقوانين التي تمنعها، بل تحتاج إلى تغيير عميق في الثقافة العامة.
لا يكفي أن تكتب في الدستور أن التعيين يجب أن يكون على أساس الكفاءة، ما لم يكن هناك وعي مجتمعي يرفض المجاملة في المناصب، ويحاسب المسؤولين على خياراتهم.
كما أن الشفافية في التعيينات، وفتح المنافسة أمام الجميع، ونشر السير الذاتية للمترشحين للمناصب العليا، يمكن أن تكون خطوات عملية للحد من هذه الآفة.
وفي النهاية، عندما يصبح اللقب العائلي أهم من الشهادة العلمية، فإن المجتمع يعلن -دون أن يدري- أنه في حالة إفلاس قيمي، وأنه يختار السير في طريق تقوده قلة قليلة نحو مصالحها الخاصة، تاركةً خلفها ملايين العقول والمهارات التي كان يمكن أن تصنع فارقًا حقيقيًا.
حينها، يصبح السؤال الجوهري: هل نحن نبني دولة المؤسسات، أم نعيد إنتاج دولة “العائلات الحاكمة” بأسماء وصور جديدة؟




