سياسة

المنسيون النبلاء : سياسيون انسحبوا قبل أن يُصفقوا للرداءة!”

ضربة قلم

في مغرب المفارقات السياسية، نادراً ما تجد وجوهاً اختارت الانسحاب بشرف، بدل التسول على أبواب الأحزاب، أو التخصص في الظهور الفُجائي في كل مناسبة وطنية، من احتفالات عيد العرش إلى طوابير الصدقات. هؤلاء الذين سنذكرهم لم يعودوا ضيوف القنوات ولا فلكلور المنصات، لكنهم احتفظوا بما هو أثمن من “الكرسي الوزاري”: كرامتهم.

نعم، في زمن صار فيه التموقع فنّاً، والنفاق فضيلة، والاستوزار رياضة أولمبية تُمارس عبر علاقات النسب والمصاهرة والتملق الممل، هناك من قال: “كفى”. لا تصريح ناري، لا دموع على الهواء، فقط انسحاب أنيق من مشهد صار أقرب إلى عروض السيرك منه إلى العمل السياسي.

مولاي إسماعيل العلوي
الزعيم الذي فضل مكتبة على وزارة، والذي اختار مراجعة الفكر بدل استعراضه في البلاتوهات. الرجل الذي لم يبع تاريخه في بازارات الانتخابات، ولم يتحول إلى مجرد “فاعل سياسي سابق دائم الحنين إلى الأضواء”. ظلّ هادئاً مثل ورقة حزب التقدم والاشتراكية التي كانت تتحدث عن العدالة الاجتماعية حين كانت موضة نادرة.

امحمد الخليفة
الأستاذ المراكشي، صوت القانون والعقل، الرجل الذي كان وزيراً خلال ولايتين ذات زمن نادر. لم نعد نراه يصرخ في مهرجانات انتخابية، ولم يظهر فجأة وهو يوزع الزيت والسكر. انسحب بخفة رجل حكيم، يراقب من بعيد كيف تحوّلت “السياسة” إلى جلسات دجل جماعي، وكيف صار الحديث عن العدالة الاجتماعية تهمة أخلاقية. لم يشارك في السباب الإلكتروني، ولا في حفلات الرداءة الفايسبوكية. إن أراد أن يتكلم، فاللغة مازالت تعرفه.

عبد العزيز أفتاتي
وإذا كنا نتحدث عن السياسيين الذين اختفوا واحتفظوا بكبريائهم، فلا بد أن نذكر حالة استثنائية: أفتاتي، ذاك الذي أثار الجدل بصراحته أكثر من مرة، لكنه انسحب حين شعر أن العراك مع الأشباح صار عبثاً. لم يتحول إلى مهرج يقتات من الماضي، ولم يفتح قناة على اليوتيوب ليشرح “أسباب الفساد من عهد البصري”. آثر السكوت على العويل، والانسحاب على التطبيع مع الخنوع.

محمد الكحص
الصحفي الذي دخل السياسة، كما يدخل المرء مطعماً أنيقاً: بابتسامة ودودة، وبدلة مكوية، وأمل في أن تكون القائمة محترمة. الرجل تولى منصب كاتب الدولة للشباب، ثم اختفى، لا لأنه فشل، بل لأنه ربما أدرك مبكراً أن “الطاولة السياسية” صارت مرتعاً لأطباق بائتة، وأذواق رديئة. لم يتحول إلى مهرج سياسي، ولم يصرح يوماً أنه “أرسل خطاباً إلى جلالة الملك ولم يتلقّ الجواب بعد”، ولم يتقدم بشكاية ضد شعب بأكمله. اكتفى بالكُحل… والنبل.

فهل تعرفون ما يجمع هؤلاء جميعاً؟
لم يفتحوا جمعيات باسمهم، ولم يترشحوا لمجالس لا يعرفون حتى مكانها، ولم يتحولوا إلى ظاهرة صوتية موسمية. هؤلاء لم يُغرموا بالكاميرا، ولم يطاردوا “الفوكس”، ولم يستدعوا الصحفيين ليبكوا على مجدهم الضائع. فضلوا الكبرياء على الشهرة، والغياب المحترم على الحضور الباهت.

وفي بلاد صار فيها السياسي أقرب إلى “مؤثر افتراضي”، وحيث أصبح شعار المرحلة هو: “كن شعبوياً تنجُ”، لا يسعنا سوى أن نرفع القبعة – الافتراضية طبعاً – لمن اختار الخروج من المسرح قبل أن يُلقى عليه الطماطم.

تحية لمن اختاروا أن يكونوا طي النسيان… بدل أن يكونوا مادة للسخرية.

 

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.