الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المنشار الذي التهم فريقًا… ثم صعد إلى السياسة على أنقاض الأحلام

م-ص

في مدينةٍ صغيرةٍ، تُشبهُ حكايةً قديمةً تُروى على استحياء، حيث يعرف الناس بعضهم بعضًا، كما تُعرَفُ ملامحُ الوجوه في مرآة الصباح، نشأ رجلٌ تعلّم منذ وقتٍ مبكرٍ أن العالم، لا يُدار بالقلوب، بل بالأرقام. كان يمشي بين الناس بوجهٍ مطمئنٍ وابتسامةٍ واسعة، لكنه في داخله، كان يُجري حساباتٍ باردة، كأن الحياة، كلها دفترُ أرباحٍ وخسائر.

لم يكن يتردد في اقتحام أي مجال.
مرةً يتحدث كأنه طبيبٌ يشرح أسرار الجسد، ومرةً يلبس عباءة المهندس، فيفسر الخرائط والخرسانة، ومرةً يتقمص دور الخبير الاقتصادي، فينثر الكلمات الكبيرة، كما يُنثر الغبار في ضوء الشمس. كان الناس في تلك الحاضرة الصغيرة، يسمعونه بدهشة؛ فقلّما يُدقّق أحد في مدينةٍ، اعتادت أن تصدّق كل من يتحدث بثقة.

لكن الرجل، في أعماقه، ظل يتقمص الأدوار المختلفة، ولم يكن يبحث عن المعرفة…
كان يبحث عن الاستثمار.

والاستثمار، كما كان يقول لمن يثق بهم، لا يعرف قلبًا ولا دمعة، ولا يعترف بإنسانيةٍ، تعترض طريق الربح. لذلك ظل يبحث عن الساحة التي تفتح له أبواب المجد والمال معًا، حتى وقع بصره على مكانٍ لم يخطر ببال كثيرين: فريق كرة قدمٍ بسيط، يلعب في الهامش، ويعيش على حب الشباب وأحلام المدرجات الصغيرة.

هناك بدأ الحلم الجديد.

جلس ليلةً طويلةً، يرسم خطته، كما يرسم التاجر طريق قافلته.
قال في نفسه:
“إن أردتُ أن أربح دائمًا… فعليّ أن أصبح مثل المنشار؛أطلع رابحًا وأنزل رابحًا.”

ومنذ تلك الليلة، لم يعد الفريق مجرد فريقٍ في عينيه…
صار مشروعًا.

دخل النادي بابتسامة المنقذ. صافح اللاعبين، كما يصافح الأب أبناءه، وتحدث عن المستقبل، وعن المجد، وعن المدينة التي تستحق، أن يكون لها فريقٌ يرفع رأسها. صدقه الجميع، لأنهم رأوا فيه الرجل، الذي جاء بالمال والحماس معًا.

لكنه في الحقيقة، كان ينظر إليهم كما يُنظر إلى كتاكيتٍ صغيرة.

كان يعرف أن الكتكوت حين يكبر يتغير ثمنه.

فكلما حدّثه أحد عن لاعبٍ موهوبٍ في قريةٍ مهمَّشة، كان ينهض من مقعده بثقةٍ، لا تخلو من استعراض، ويركب سيارته الفاخرة، قاطعًا الطريق، نحو تلك الأطراف التي لا تصلها الأضواء. يصل إلى الملعب الترابي، حيث الغبار يعلو الأحذية، وحيث الأحلام أكبر من الإمكانيات. هناك، كان يقف وسط الصبية ببدلته الأنيقة، كأنه رسولُ الخلاص، ويبدأ في نثر الوعود، كما يُنثر القمح للطيور.

يتحدث عن إصلاح الأرضية، وعن عشبٍ أخضر سيأتي يومًا ليغطي التراب، وعن أقمصةٍ جديدة بألوان زاهية، وعن كراتٍ حديثة تليق بمواهبهم، بل ويتوسع في رسم صورةٍ أجمل للمستقبل: غرفٌ صغيرة للاعبين، ومستودعات لتبديل الملابس، ومرافق تليق بفريقٍ يحلم بالصعود.

وكانت العيون الصغيرة تلمع كلما تحدث.
وكان المدربون المتعبون يبتسمون بشيءٍ من الأمل.
وكان أهل القرية يصدقون أن الفرج قد طرق بابهم أخيرًا.

لكن الحقيقة، التي لم يكن يراها أحد، كانت تسكن في دفاتر الرجل الباردة.

فما بدا هديةً سخية، لم يكن في نظره سوى قرضٍ مؤجل.
وما بدا كرمًا، كان في حساباته استثمارًا.

الأقمصة التي يشتريها، كانت تُسجَّل بعنايةٍ كديونٍ على فريقه.
والكرات التي يوزعها بابتسامةٍ عريضة، كانت تُدوَّن في صفحات الحسابات.

أما بقية الوعود – إصلاح الأرضية، بناء الغرف، وتشييد المستودعات – فكانت تتلاشى مع الوقت، كما تتلاشى فقاعات الصابون في الهواء… جميلةً للحظة، ثم لا يبقى منها سوى الفراغ.

كان يعود إلى سيارته الفاخرة بعد أن يحصل على ما يريد: توقيع لاعبٍ واعد، أو وعدٍ بالانتقال، أو مجرد خيطٍ جديدٍ يربط تلك القرية الصغيرة بمشروعه الكبير.

وهكذا، كان يترك خلفه ملعبًا ترابيًا كما كان…
لكن بقلوبٍ أثقل قليلًا، وبأحلامٍ بدأت تتعلم، ببطءٍ موجع، أن بعض الوعود لا تُخلق لتتحقق… بل لتُستعمل ثم تُنسى.

مرت السنوات بسرعة.

كبر اللاعبون، واشتد عود الفريق، وصار اسمه يُذكر في المنافسات. امتلأت المدرجات الصغيرة بالهتافات، وبدأ الناس يتحدثون عن “الرئيس الذي أعاد الروح للنادي”.

وكان هو، في المقابل، يفتح الباب الأكبر: باب السياسة.

دخل الانتخابات، كما يدخل التاجر السوق.
استعمل صور اللاعبين، وصخب الانتصارات، وفرحة الجماهير، ليصنع لنفسه ،صورة الرجل الذي يعرف كيف يُنجح المشاريع.

وفعلاً…
حين اشتد عوده، صار ما أراد.

لكن في اللحظة التي وصل فيها إلى مقعده، تغيّر كل شيء.

اختفى ذلك الحماس القديم.
لم يعد يزور الملعب إلا نادرًا، ولم يعد يسمع صراخ المدرجات. صار الفريق بالنسبة له صفحةً طويت.

وقبل أن يرحل، فعل ما يفعله التجار حين يقررون تصفية بضاعتهم.

باع أمهر اللاعبين بمبالغ خيالية، وأغلق أبواب الحسابات، وأحاط المداخيل بصمتٍ كثيفٍ يشبه الضباب. وحين انتهى، ترك خلفه فريقًا مثقلًا بديونٍ لم يعرفها في تاريخه.

كان النادي الذي كان يركض في الملاعب كحصانٍ حر…
صار الآن يجرّ قدميه في طين الديون.

أما هو، فقد ابتعد.

يعلم الجميع أنه لن يعود إلى تلك المدينة الصغيرة، ليطلب أصواتها مرةً أخرى. لكنه، رغم ذلك، لن يترك مقعده بسهولة، لأنه لا يؤمن بالسمعة بقدر ما يؤمن بالمال.

كالمنشار…
يصعد رابحًا وينزل رابحًا.

ويقول الناس إن بعض تلك الأموال تسافر يمينًا ويسارًا، تُفتح بها الأبواب، وتُشترى بها صمتُ “كبار القوم”. لكن المدن الصغيرة، مهما طال صمتها، لا تنسى حكاياتها.

فالملعب الذي كان يضجّ بالهتاف صار صامتًا.
واللاعبون الذين حلموا بالمجد تفرقوا في الطرقات.
والجماهير التي كانت تغني للنادي، صارت تهمس بالحسرة.

وفي المقاهي القديمة، حيث تُروى الحكايات في المساء، يسأل أحدهم بصوتٍ خافت:

إذا كان لكل بدايةٍ نهاية…
فمتى تأتي نهاية المنشار؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.