المنصورية: حين يتحول البلاغ إلى منصة اتهام.. والصوت المطرود يكشف ما وراء الكواليس

ضربة قلم
لم يعد الأمر يتعلق بنقطة نظام داخل دورة عادية، لمجلس جماعة المنصورية، بل تحوّل إلى معركة سرديات:
بلاغ رسمي من الرئاسة يقدّم رواية مكتملة الأركان،
وردّ ناري من المستشار المعني بالطرد يرى فيه محاولة “لاغتيال الحقيقة”.
بلاغ الرئاسة قدّم نفسه، كتوضيح للرأي العام، متمسكاً بشرعية المساطر واحترام القانون، ومصوراً ما جرى باعتباره مجرد تدبير قانوني لسير الجلسة.
لكن بيان المستشار الحسين الحمزاوي، جاء بلغة مختلفة تماماً، لغة تتحدث عن “تمرين بائس” و”استعمال المنصة الرسمية لشن هجوم شخصي”، معتبراً أن ما حدث، ليس مجرد خلاف إجرائي، بل انحدار في منسوب الثقة المؤسساتية.
المستشار المطرود لا ينفي جوهر النقاش، بل يعيده إلى السؤال، الذي يتجنب البلاغ الرسمي الخوض فيه بوضوح:
تصميم التهيئة… ومصير الأسر.
في بيانه، لم يقدّم نفسه كمعرقل، بل كصوت تحفّظ على “تمرير شيك على بياض”، رافضاً مباركة مشاريع بنيوية، دون وضوح اجتماعي كامل حول آثارها.
هو يربط بين تعبيد الطرق ومحطات التصفية، وبين سؤال أكبر:
من سيستفيد؟
ومن سيدفع الثمن؟
هنا تكمن العقدة.
فالبلاغ الرسمي ركّز على الشكل والمساطر،
بينما بيان المستشار ركّز على الجوهر والمآلات.
والرأي العام، بين السرديتين، لا يبحث عن خطابة، بل عن معلومة دقيقة:
-
هل هناك ضمانات قانونية واضحة لحماية الأسر المعنية؟
-
هل تم نشر تفاصيل تصميم التهيئة للرأي العام؟
-
هل كان الخلاف سياسياً أم تقنياً أم اجتماعياً؟
الديمقراطية المحلية لا تُختبر في لحظات الإجماع، بل في لحظات الخلاف.
والطرد من أشغال دورة، مهما كانت مبرراته القانونية، يظل حدثاً سياسياً بامتياز، خصوصاً حين يتبعه بلاغ رسمي بلغة حادة، ثم ردّ مقابل يتوعد باللجوء إلى القضاء.
الأخطر في المشهد ليس الصراع ذاته، بل انزلاق الخطاب نحو منطق التخوين المتبادل.
فالمنصورية اليوم أمام اختبار:
هل تختار إدارة الخلاف بالشفافية، وفتح النقاش حول تصميم التهيئة؟
أم تكتفي ببيانات متقابلة تزيد الاحتقان؟
الساكنة لا يهمها من انتصر بلاغياً،
بل من قدّم ضمانات فعلية.
والتنمية الحقيقية، لا تُقاس بعدد الكيلومترات المعبّدة،
بل بدرجة الأمان الاجتماعي، الذي يشعر به المواطن.
الكرة الآن في ملعب الشفافية.
ونشر المعطيات الكاملة، كفيل وحده بإخماد نار الشك.
فالمنصورية لا تحتاج إلى مزيد من البيانات،
بل إلى وضوح يسبق كل مشروع،
وحوار يسبق كل قرار.
تعليقنا:
في خضم هذا السجال، يبرز مشهد لافت:
تحوّلت أصوات داخل المجلس إلى ما يشبه “مرجعية تفسيرية” تمنح الشرعية وتسحبها حسب المزاج، وتوزّع صكوك الوطنية، والتنمية، كما لو كانت سلطة فوق النقاش.
لكن التدبير الجماعي ليس منبراً للإفتاء السياسي،
ولا فضاءً لإلقاء الدروس الأخلاقية على المخالفين.
حين يُختزل النقاش العمومي في خطب وعظية تُصنّف الأصوات بين “مؤيد للتنمية” و”معرقل”، فذلك لا يعكس قوة الحجة، بل هشاشة النقاش.
المنتخب ليس مطالباً بالتصفيق،
بل بالمساءلة.
والرأي المخالف ليس خروجاً عن الإجماع،
بل جوهر العمل الديمقراطي.
أما تحويل كل تحفظ إلى خطيئة، وكل سؤال إلى تشويش، فليس سوى أسلوب، يُريح من لا يريد الإجابة عن الأسئلة الجوهرية.
المجالس المنتخبة لا تحتاج إلى “مفتين”،
بل إلى مؤسسات تحترم التعدد،
وتفصل بين السلطة والرأي،
وتفهم أن الشرعية، تُبنى بالحجة لا بالخطابة.
والمنصورية أكبر من أي وصاية فكرية،
وأرقى من أن تُدار بمنطق التصنيف.




