المهاجرون المؤقتون: حين تهاجر الدكاكين لقضاء العيد… بلا خرفان!

ضربة قلم
في المغرب، لا شيء يفاجئك. قد تصحو صباحًا لتشتري “قرقاع” العيد، فتجد أن دكّان الحي قد علّق لافتة أنيقة تقول: “سافرنا لقضاء العيد، وكل عام وأنتم بخير”… فتتساءل في دهشة: وأين هو العيد أصلًا؟ وأين الكبش؟ وأين شوّاية الزنقة التي تُرهب الحي بالدخان والرماد؟
الحقيقة التي لا يريد أحد الاعتراف بها هي أن عيد الأضحى هذه السنة دخل مرحلة “التقشف العاطفي”، أما الكبش، فقد صار “كائنًا أسطوريًا” يتجول فقط في مخيلة الأطفال. الأسعار ارتفعت، والقلوب انخفضت، والبطون قررت أن تتعامل مع المناسبة وكأنها مجرد عطلة موسمية مؤقتة.
لكن أكثر ما يثير الانتباه — والضحك المرّ — هو اختفاء تلك الكائنات الاقتصادية التي كانت تملأ الأزقة عشية العيد: دكاكين “النيفا” و”الكاوكاو” و”الزبيب المهرّب من عند العطار المجاور”. هذه الدكاكين التي كانت تنبض بالحياة وتزعج الحي بموسيقى “عيدنا مبارك يا مغاربة”… اختفت فجأة!
وعند السؤال عنهم، يأتيك الجواب الصادم:
“آ سيّي مشاو لطاطا… العيد مع العائلة أحسن”
لحظة! طاطا؟ نعم، أغلبهم من إقليم طاطا، ذلك الإقليم العجيب الذي يُصدّر لنا اليد التجار المتخصصين في عباد الشمس والحلويات الجافة، ثم يسترجعها قبل العيد، كما تسترجع الأسرة ابنها المغترب في أوروبا.
في الحقيقة، لو فكرنا جيدًا، لوجدنا أن هؤلاء الناس هم أكثر الناس عقلانية.
فقد فهموا اللعبة قبلنا: “ما كاين لا كبش لا هم يحزنون… نبيع شوية لوز، نربح شوية فرنك، نركب في الكار ونمشي نعطل الراس مع العائلة أحسن من البقاء في زنقة خاوية وقلوب مفلسة”
والأطرف من ذلك، أن بعض المواطنين ظلوا يبحثون عن “قشاوش العيد”، فإذا بهم يصطدمون بالواقع:
-
لا لوز
-
لا تمر
-
لا كاوكاو
-
لا حتى صوت دكان
-
فقط لوحة مكتوب فيها “راجعون بعد العيد”… وكأننا في موسم الهجرة الجماعية للدكاكين!
أمّا من قرّر البقاء من أصحاب المحلات، فهو إما عالق في الحي بسبب فاتورة الكراء، أو لأنه مازال ينتظر زبونًا نسي شراء “ناباج” الكيكة، أو ربما لأنه ببساطة… لا ينتمي إلى طاطا!
وهنا يحق لنا أن نتساءل:
هل إقليم طاطا هو العاصمة الخفية للحلويات الجافة؟ هل هم الذين يملكون سر تحميص الزبيب وتقشير اللوز دون أن يتفتت؟ وهل على الدولة التفكير في إنشاء “مدينة صناعية للفواكه الجافة” هناك؟
أسئلة كثيرة، وإجاباتها قد تكون أكثر مرارة من قهوة الصباح بدون قطعة شوكولاتة من عند الدكّان.
في النهاية، لا يسعنا إلا أن نهنئ أبناء طاطا على حكمتهم الموسمية:
باعوا لينا “الڤيتامينات” وغبروا قبل ما تنقلب الأوضاع وتولي الأزمة اجتماعية بالمعنى الكامل.
أما نحن، سكان المدن المتبقية، فنحتفل بـ”عيد الأشباح”، حيث الكبش مفقود، والدكاكين مسافرة، والحلويات أصبحت حلمًا جافًا… مثل فم الطفل حين يصحو صباح العيد ليجد أن لا زبيب ولا فستق في انتظاره، بل فقط “زلافة دالحريرة”… ودموع كبش لم يُذبح.
آه وألف آه، ثم ألف تحية لأهل طاطا الطيبين،
ناس ديال الخاطر، معروفين بالكرم والبشاشة… وبقدرتهم الخارقة على تسويق الفواكه الجافة بثقة الوزراء، ثم التبخر منها قبل أن يُعلن العيد رسميًا!




