المهداوي… من “قناة على اليوتيوب” إلى “قضية رأي عام”: حين يمنحك المجلس الوطني للصحافة ما لم تمنحك الحملات الإشهارية!

محمد صابر
بداية، نؤكد لمن يحتاج إلى تأكيد داخل التأكيد، أن المواطنين الذين لم يكونوا يعرفون من هو حميد المهداوي، أصبحوا يعرفونه الآن… لا بفضل فيديوهاته، ولا بفضل صوته العالي والمتحمّس، بل بفضل أبطال المجلس الوطني للصحافة الذين قرّروا أن يقدّموا له خدمة ثمينة دون أن يطلبها أحد.
ويا للمفارقة: حتى الذين لم يطيقوا طريقته في الكلام، أو اعتبروا خطابه “فوق اللزوم”، وجدناهم يتعاطفون معه. وحتى الذين لا يعرفون كيف يدخلون أصلاً إلى قناته في اليوتيوب، أصبحوا فجأة يتابعون أخباره وكأنهم يحضرون لامتحان وطني في مادة “قضية المهداوي”.
والسؤال البديهي: كيف تمكن الرجل من حصد هذا التعاطف في غضون 24 ساعة؟
الجواب سهل… يكفي أن يظهر فيديو مسرّب من داخل “هذا المجلس العجيب” الذي يشبه إلى حدّ كبير تلك المؤسسات التي تُنشأ لحلّ المشاكل فتصبح هي المشكلة نفسها.
مجلس… رئيسه معتقل سياسي سابق، ثم نقيب، ثم رئيس، ثم… بطل تسريبات؟
قصة الفيديو وحدها تكفي لصناعة ثلاث حلقات من مسلسل رمضاني.
موظف أو موظفة—لا يهم—يشتغل خلف الستار لسنوات، ثم يخرج فجأة إلى السطح بفيديو يفضح المحادثات الداخلية، ويُظهر لنا حفلاً من الفوضى والعشوائية و”القرارات غير القابلة للفهم”.
ثم نصل إلى اللقطة التي أصبحت “أيقونية”:
محمد السلهامي، الصحفي المخضرم، الذي قال -وفق رواية المهداوي- كلمة كبيرة gros mot، قبل أن يتحول بقدرة قادر إلى petit mot عندما قرروا رفعها إلى عبد النباوي!
أي بمعنى آخر: صار عندنا عالم لغوي جديد… الكلمات تتقلص تلقائيًا عندما تغير وجهتها!
لكن… ما الذي ارتكبه المهداوي؟ بأي ذنب يصدر الفيتو؟
هنا يدخل السؤال الذي يحرق الشارع:
ما الذي فعله الرجل بالضبط؟
هل اخترق موقعًا حساسًا؟ هل هدّد الأمن القومي؟ هل سرّب قرارات المجلس الوطني للصحافة؟
لا. كل ما فعله هو… أنه يمارس التعبير الذي كان يونس مجاهد يطالب به يومًا ما.
والطريف أن نفس الرجل—نعم نفس يونس مجاهد—تقلد منصب نقيب الصحافيين ثم رئيس المجلس الوطني للصحافة بفضل هؤلاء الصحافيين فقراء الجيوب، أغنياء بالمهنية، الذين نعتهم الوزير بنسعيد بالعدميين… دون أن يرفع أحدهم دعوى ضد الرجل الذي لم يكن ليصل إلى منصبه لولا “عدميتهم”.
هل الفيديو مفبرك أم معبّر؟
المجلس خرج ليصرّح بأن الفيديو “مفبرك”.
تمام. فلنفترض أنه كذلك.
لكن…
لماذا اعتذر خالد الحري ويونس مجاهد للمحامين؟
هل اعتذرا عن شيء غير موجود؟
أم أن الفبركة لا تنطبق إلا على الجزء الذي يمسّ المهداوي؟
أم أن الاعتذار نفسه هو اعتراف غير معلن بأن محتوى الفيديو حقيقي، لكنهم فقط يحبون أن يسمّوه “مفبركًا” كي ينام ضمير المجلس مرتاحًا؟
في منطق المؤسسات، إما أن الفيديو كاذب بالكامل، وبالتالي لا معنى للاعتذار، وإما أنه حقيقي، وبالتالي نحن أمام فضيحة بحجم مؤسسة كان يفترض أن تحمي شرف المهنة لا أن تعبث به.
المهداوي… المستفيد الأكبر دون أن يبذل جهدًا
المثير للسخرية في هذا المشهد كلّه هو أن حميد المهداوي لم يكن في حاجة إلى دفاع، ولا إلى جيش إلكتروني، ولا إلى حملة تضامن…
المجلس تكفّل بذلك نيابة عنه.
أعطوه أكبر دعاية مجانية، وأعطوه أكبر رأسمال رمزي يمكن أن يحلم به أي صحفي مستقل:
ثقة الناس وتعاطف الجمهور.
فالناس بطبيعتهم لا يحبون الظلم، وإذا رأوا جهة رسمية تجتمع لتحريك “الفيتو” ضد صحفي، يتعاطفون معه ولو كانوا لا يتفقون معه… وهذه هي القاعدة الذهبية التي لم يفهمها المجلس.
وفي الختام… السؤال الأكبر: من يحاكم من؟
هل نحن أمام مجلس ينظم مهنة الصحافة؟
أم أمام مجلس يصادر حرية الصحافة؟
أم أمام مجلس يتخاصم مع الصحافة ثم يعتذر عن “التوتر” بعد انتشار الفيديو؟
إذا كانت الفبركة شملت كل شيء…
فما الذي دفعهم للاعتذار؟
وإذا كان الفيديو أصليًا…
فلماذا لم يخرج المجلس باعتذار شجاع وواضح عوض هذه الالتفافات التقنية التي لا تُقنع حتى صغار السن؟
باختصار…
المهداوي لم ينتصر لأنه قوي، بل لأن خصومه كانوا ضعافًا في التقدير.




