مجتمع

المهمَّشون باختيارهم: صنّاع الضجيج في مقاهي الوطن

ضربة قلم

يا سلام على هاد الفئة! فئة غريبة الأطوار، تنتمي رسميًا إلى “مملكة القعاد الأبدي”، حيث الشاي هو الفطور والغداء والعشاء، وحيث القيل والقال أهم من أي شهادة جامعية أو سيرة مهنية. ناس كان يمكن لهم يكونوا مهندسين، أساتذة، أو حتى تجار شرفاء، لكن القدر – أو بالأحرى الكسل – اختار لهم طريقًا آخر: طريق “الحاجة الساهلة”، طريق الكلام الفارغ وتوزيع التهم كما تُوزع قطع السكر في المقاهي الشعبية.

هم أول من يحفظ أرقام رجال السلطة عن ظهر قلب، وأول من يتطوع لمدّ الأذن اليسرى للبوليس، واللسان لمن يدفع أكثر. هم مخبرون بالهواية، متطوعون بالخيانة، يملكون حاسة سادسة تشمّ رائحة “الفرصة” قبل أن تصل إلى أنوف الناس العاديين. وإذا سألتهم: “علاش ما خدمتوش؟”، يجاوبونك بنظرة فلسفية من عمق الكسل، ثم يقولون: “البلاد ما فيهاش فرص”. والحق يُقال، الفرص كانت كثيرة، لكنهم كانوا مشغولين وقتها بـ”النميمة الوطنية”.

في الزمن الجميل، حين كان الشباب يلهثون وراء الوظائف والشهادات، كان هؤلاء يلهثون وراء آخر إشاعة في الحي. كانوا وما زالوا خبراء في اغتيال السمعة: فلان عندو علاقة مع فلانة، وفلانة طاحت في الفخ، وفلان باع الماتش، وفلان دار صفقة مشبوهة. كل شيء عندهم جاهز للتحليل، بل هم قنوات إخبارية متنقلة، دون كاميرات ولا ميكروفونات، فقط ألسنة أطول من طريق وجدة.

ومع مرور الزمن، تطوروا مثل الكائنات التي تتأقلم مع بيئتها. صار بعضهم “سمساراً”، لكن بلا سجل تجاري، فقط بالعلاقات المشبوهة والكلام المسموم. تجدهم في المقاهي والحانات، يوزّعون الابتسامات المدفوعة مسبقًا، وينتظرون “ولي النعمة” الذي سيمنحهم ثمن الجلسة أو الجعاع. لا يبيعون سلعة، بل يبيعون المواقف، يغيّرون ولاءهم كما يغيّرون المقعد في البار: اليوم مع هذا، وغدًا ضده، حسب من يؤدي الفاتورة.

ولأنهم خبراء في التمثيل، تراهم يتحدثون عن الوطنية والنزاهة وكأنهم مناضلو الزمن الصعب، بينما هم في الحقيقة “كومبارس” في مسرحية فاشلة اسمها “الكرامة المفقودة”. يرفعون شعار “نحن المظلومون”، وهم الذين ظلموا أنفسهم حين اختاروا طريق الغيرة والكسل والحقد.

إنها فئة عجيبة فعلاً: لا تشتغل، لا تنتج، لا تقرأ، لكنها تملك وقتًا كافيًا لتكره كل من ينجح. 
باختصار، هم لا يحتملون فكرة أن أحدًا يمكن أن يعيش خارج مستنقعهم، لأن كل من خرج منه يُذكّرهم بما كان يمكن أن يكونوا عليه، لو فقط تعبوا قليلاً بدل أن “يتفلسفوا كثيراً”.

ولأن الحقد لا يصدأ، فقد صار عندهم كالوقود اليومي، يعيشون عليه كما يعيش السمك على الماء. تراهم في المجالس يحلّلون، يفتون، يوزّعون الاتهامات، ويتحدثون عن “البلاد اللي ضاعت”، بينما هم أول من أضاع نفسه فيها.

وها هم اليوم، في نهاية الرحلة، بلا مهنة، بلا سمعة، بلا أثر. لا هم من نخبة الوطن ولا من طبقته الكادحة، إنما فئة اتكالية من نوع خاص: لا تنتج إلا الثرثرة، ولا تصنع إلا الضجيج، ولا تزرع إلا الشك.
إنهم باختصار “المهمَّشون باختيارهم…”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.