الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المواطنة الرقمية: هل المواطن فيسبوكي أكثر منه مواطناً في الحي أو الجماعة؟

ضربة قلم

في زمن العولمة الرقمية، صار من الصعب الحديث عن المواطنة بالمعنى الكلاسيكي فقط: الانتماء إلى أرض، جماعة، حيّ، ومؤسسات واقعية. اليوم هناك مواطنة أخرى موازية، أو لنقل نسخة “افتراضية” من الانتماء، نعيشها يومياً على منصات التواصل الاجتماعي. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل أصبح المواطن المغربي (بل المواطن العالمي عموماً) “فيسبوكيًا” أكثر مما هو مواطن حيّ أو جماعة ترابية؟

1. مواطن الشاشة بدل مواطن الحي

المواطن الرقمي حاضر في كل النقاشات: من السياسة إلى الرياضة، من قضايا البيئة إلى مشاكل الصحة والتعليم. يكتب، يعلّق، يشارك صوراً، يطلق “هاشتاغات” تضغط أحياناً على الحكومات أو تكشف فساداً. لكنه في المقابل قد يغيب عن الجمعيات المحلية، اجتماعات الحي، وحتى صناديق الانتخابات الجماعية. النتيجة: حضور صاخب في العالم الافتراضي، وغياب شبه صامت في الواقع اليومي.

2. الديمقراطية الرقمية بديلاً عن الديمقراطية التمثيلية؟

في الفيسبوك أو تويتر، يمكن لأي مواطن أن يصبح “منتخباً” لحظياً عبر عدد “اللايكات” و”الشيرات”. صوته مسموع، تعليقه قد ينتشر أسرع من أي بلاغ رسمي. لكن، في صناديق الاقتراع، قد لا يكلف نفسه عناء المشي بضع خطوات للإدلاء بصوته. وكأن الديمقراطية الرقمية صارت بديلاً نفسياً عن الديمقراطية الحقيقية.

3. الحماس الرقمي مقابل اللامبالاة الواقعية

حين يشتعل موضوع على الفيسبوك  -مثلاً قضية فساد، غلاء أسعار، أو اعتداء- يتفاعل المواطن بعاطفة جياشة: غضب، تضامن، سخرية، وربما مقاطعة إلكترونية. لكن في الحي، قد يتجاهل نفس الشخص اجتماع السكان لإصلاح مصباح شارع معطوب أو تنظيم حملة نظافة. هذه المفارقة تكشف تحوّل الانتماء من “الحي الملموس” إلى “القبيلة الافتراضية”.

4. الفيسبوك كبديل عن “المقهى الشعبي”

في السابق، كان المقهى الشعبي أو الساحة العمومية فضاءً لتبادل النقاشات والآراء. اليوم صار الفيسبوك هو “المقهى الرقمي” بامتياز. كل شخص لديه “طابلة” خاصة، يجلس خلف شاشة هاتفه ويطلق أحكامه على العالم. الفرق أن في المقهى الواقعي، النقاش يخلق روابط إنسانية، أما في الفيسبوك فقد ينتهي ببلوك أو سبّ وشتم.

5. هل يمكن للمواطنة الرقمية أن تتحول إلى مواطنة فاعلة؟

ليست الصورة كلها سوداء. في كثير من الحالات، لعبت المواطنة الرقمية دوراً إيجابياً: حملات تضامن مع مرضى أو أسر معوزة، فضح تجاوزات سلطوية، الضغط من أجل قرارات عادلة. لكن التحدي هو كيف نترجم هذا الزخم الرقمي إلى فعل واقعي: حضور في الجمعيات، المشاركة في الانتخابات، المساهمة في مشاريع تنموية محلية.

الخلاصة:

المواطن المغربي (وغيره) أصبح يعيش “شيزوفرينيا” بين هويته الرقمية وهويته الواقعية. في الفيسبوك هو ثائر، ناقد، مثقف، وفاعل جمعوي نشيط. في الحي، قد يكون صامتاً، منزوياً، أو غير مبالٍ. السؤال الكبير إذن: هل سننجح يوماً في جسر الهوة بين العالمين؟ أي أن يكون المواطن بنفس الحماس في الحي كما هو على الفيسبوك؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.