مجتمع

المواطن… المتهم حتى إشعار آخر: مغامرة في متاهات الإدارة المغربية

ضربة قلم

في بلدنا الحبيب، يبدو أن الذهاب إلى الإدارة أصبح شبيهًا برحلة استكشافية خطيرة، لكنها لا تكشف عن كنوز، بل عن متاهات بيروقراطية وأوراق لا نهاية لها. المواطن، البطل الصامت في هذه المغامرة، يرفع رأسه باحترام عند باب المكتب، ليجد نفسه فورًا متهمًا حتى إشعار آخر، رغم أن كل ما في يده هو نسخة من بطاقة التعريف، أو طلب بسيط، أو مجرد رغبة في إنجاز معاملة لا تستحق كل هذا العناء.

تخيل معنا، صديقنا القارئ، أن تدخل مكتبًا حكوميًا، فتستقبلك ابتسامة موظف يذكرنا بحارس بوابة الكنوز القديمة، ثم يُخبرك بأن الملف ناقص. الملف؟ نعم، الملف الذي كنت تعتقد أن كل المستندات موجودة فيه. يُعاد إليك، كما لو كنت مذنبًا، مع قائمة مطولة من الوثائق التي لم تكن تعرف أنك بحاجة إليها: شهادة ميلاد الجدّ الأكبر، وثيقة تثبت أن جدتك كانت تحب الورد، أو تصريح بالشرف من العصفور الذي يعيش في حديقة البيت!

هنا تظهر مأساة الكرامة الإدارية الضائعة. كل خطوة، كل توقيع، كل ختم، يتحوّل إلى تحدٍّ بطولي يحتاج إلى قوة صبر فوق البشر، وربما بعض الحظ للتغلب على تلك التحديات الغامضة. المواطن يمشي بخطى حذرة بين المكاتب، يحمل أوراقه كأنها مفاتيح لإنقاذ العالم، وفي قلبه سؤال واحد: “هل أنا هنا طالبًا للخدمة أم متهمًا بارتكاب جريمة لم أفعلها بعد؟”

والمضحك المبكي أن الزمن في الإدارة المغربية له قوانينه الخاصة: يمكن أن ينتظر المواطن ساعة أو يومًا أو شهرًا، وفي كل مرة يُسأل عن سبب حضوره، وكأن حضوره مجرد مادة جرمية تُستجوب باستمرار. وكلما حاول أن يسرع الأمور، يظهر موظف آخر ليذكّره بأن “الإجراءات تستغرق وقتًا”. الوقت هنا ليس وحدة قياس للإنجاز، بل أداة للتحكم في الأعصاب، ومطية للسخرية الهادئة.

لكن، ورغم كل هذه السخرية اللطيفة، هناك لحظات بطولية حقيقية: عندما يخرج المواطن من المكتب وهو ما يزال قائمًا، دون أن ينهار تحت وطأة الختم الخامس عشر، أو الورقة المفقودة، أو الطلب المعاد للمرّة السابعة. في تلك اللحظة، يشعر المواطن وكأنه حامٍ للكرامة الضائعة، فارس في مملكة البيروقراطية، وحامل لقب ‘الناجح رغم المستحيل’.

وفي النهاية، يمكن القول إن الإدارة المغربية، بكل ما فيها من متاهات، لم تفقد روحها الإنسانية تمامًا، لكنها بالتأكيد فقدت قليلًا من الكرامة، وربما لم يبق سوى إحساس عميق بالسخرية المحببة لكل من يجرؤ على مواجهة ملفاتها. المواطن هنا ليس مجرد طالب خدمة، بل بطل يومي يعيش بين الختم والتوقيع والورقة الضائعة… حتى إشعار آخر، أو حتى نهاية المطاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.