مجتمع

المواطن “الممتاز”: حين تتحول الوطنية إلى مسرحية سيئة الإخراج

ضربة قلم

سبق للراحل الملك الحسن الثاني، رحمه الله، أن قال ذات يوم في خطابٍ لا يُنسى: “لا حقّ لأيّ مواطن أن يقول إنه أحسن مواطنة من الثاني.” كانت تلك رسالة بليغة تختصر معنى المساواة في الانتماء، وتضع الوطنية في موضعها الصحيح: في العمل الجاد، لا في الادّعاء والتهريج.

لكن يبدو أن البعض لم يفهم الدرس. في مدينة المحمدية، خرج علينا “مهرّج العصر” في مشهد لا يخلو من الكوميديا السوداء، يدّعي أنه أكثر وطنية من الجميع، وكأن في جيبه شهادة رسمية مختومة بخاتم الدولة تقول إنه “مواطن ممتاز” من الدرجة الأولى، بينما البقية مجرد متفرجين في مشهد “الوطنية لمن يزايد أكثر”.

هذا المخلوق العجيب لا يرفع راية الوطن إلا حين تكون الأضواء مسلطة عليه، ولا يتحدث عن “حب الوطن” إلا حين تكون الكاميرات جاهزة، والمقابل مضمون. يتغذى على التملق وينتعش في الفوضى، ويظن أن الصراخ في الساحات يمنحه مكانة في قلوب الناس، بينما الحقيقة أنه لا يثير إلا الشفقة والاشمئزاز.

الوطنية، يا هذا، لا تُقاس بعدد اللافتات التي ترفعها، ولا بالصور التي تلتقطها في المناسبات، بل تُقاس بمدى احترامك للقانون، وإخلاصك في العمل، وصدقك في المواقف التي لا يراها أحد.
الوطن لا يحتاج إلى من “يتغنى” باسمه صباح مساء، بل إلى من يحميه بصمته وعرقه وضميره.

الغريب في المشهد أن بعض هؤلاء “المدّاحين الجدد” صاروا يتخذون من الوطنية تجارة مربحة، يوزعون فيها صكوك الولاء والبراءة على من يشاؤون، ويتحدثون وكأنهم ورثة الشرعية الوطنية. والمفارقة المؤلمة أن هذه الفئة لا تفعل شيئاً للوطن سوى تشويه صورته أمام الناس.

في المحمدية – كما في غيرها – نحتاج إلى مواطنين لا إلى ممثلين، إلى عقول تفكر لا إلى أفواه تصرخ. الوطنية ليست “استعراضاً” على مواقع التواصل، ولا مسرحية تُؤدى على نغمة “أنا أكثر حباً للوطن منكم”. الوطنية عمل يومي بسيط، يبدأ من احترام إشارة المرور وينتهي بالمساهمة في نظافة الحي، مروراً بنزاهة الكلمة والنية.

الملك الراحل قالها منذ زمن، لكنها لا تزال تصلح لكل عصر: لا أحد يملك حق احتكار الوطنية.
ومن يعتقد أنه أكثر مواطنة من الآخرين، فليُراجع نفسه قبل أن يُصبح مجرد “مهرّج” جديد في سيرك المدينة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.