المواطن والحق في الاحتجاج: أين يقف الخط الأحمر؟

ضربة قلم
لا نتحدث هنا عن مظاهرة بعينها، أو عن تظاهرة احتجاج محددة، بل عن الحق في الاحتجاج بوصفه مبدأ دستوريًا وفلسفيًا، عن قدرة المواطن على أن يرفع صوته في وجه أي سلطة، دون أن يُسجَّن أو يُصادر صوته. هذا الحق، الذي يبدو بديهيًا على الورق، يتحول في الواقع إلى معركة يومية بين الحرية والمساطر الإدارية، بين الجرأة والقوانين الصارمة، بين ما يحق للمواطن وما يُسمح له.
كيف تغيّر مفهوم الاحتجاج؟
في المغرب، كما في العديد من البلدان، لم يعد الاحتجاج مجرد رفع لافتة أو هتاف في الشارع. اليوم، الاحتجاج أصبح مفهومًا مشروطًا، مشروطًا بالإذن، بالتصريح، بالبلدية، وبعدد الأشخاص، وبالمكان، وبساعات محددة.
ما كان قبل سنوات مجرد حق طبيعي أصبح الآن نشاطًا شبه رسمي: تصريح لدى السلطات، انتظار الموافقة، التقيّد بالقوانين، وحتى التوقيت يصبح بندًا في العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة.
وفي هذه اللعبة، يُطرح السؤال: هل الاحتجاج اليوم حق أم خدمة تُمنح؟ هل المواطن يمارس الحرية، أم أنه يحصل على إذن لممارسة ما كان طبيعيًا له منذ ولادته كمواطن؟
متى يصبح “غير مرخّص” خطرًا؟
الخط الأحمر هنا ليس مجرد رسم على الورق، بل حاجز واقعي يحدّد العقوبة والردع. كل احتجاج غير مرخّص يتحوّل فجأة إلى تهديد للنظام، إلى “خطر” على الأمن العام، إلى مخالفة قانونية، وكأن رفع الصوت خارج القنوات الرسمية أصبح جريمة بحد ذاته.
هنا، تتقاطع الفلسفة مع القانون: هل الحرية موجودة إلا عندما تُقرّها الدولة؟ وهل مجرد ممارسة الحق، دون إذن مسبق يُحرم المواطن من الحماية القانونية؟
في هذا السياق، يبرز التناقض: كلما أراد المواطن التعبير عن غضبه أو مطالبه، يتحوّل إلى مخاطرة، إلى شخص على الهامش، إلى “متجاوز للحدود” حتى وإن كان حقه منصوصًا عليه في الدستور.
هل الحق يُمارس أم يُمنح؟
هذا هو السؤال الفلسفي المركزي: الحقوق الأساسية، مثل الحق في الاحتجاج، هل هي ملك للمواطن منذ ولادته، أم أنها هبة تمنحها الدولة ببطاقة مرور؟
-
إذا كان الحق يُمارس، فهذا يعني أن الدولة لا تملك إلا حماية الحرية، وليس إصدار أو سحب إذن.
-
أما إذا كان الحق يُمنح، فالاحتجاج يصبح نشاطًا تحت رحمة القوانين، تحت إشراف السلطات، وتحت تقدير المسؤول عن السلطة المحلية أو الشرطة أو الحكومة.
وهذا الفارق ليس نظريًا فقط، بل عملي جدًا: ففي كل مرة تُمنع مظاهرة أو يُطلب من المواطنين، التقدم بطلب “تصريح مسبق”، نحن أمام تحويل الحرية من ممارسة طبيعية إلى امتياز قانوني، وهي نقطة فلسفية ودستورية ساخنة، تعكس تراجعًا في النزعة الديمقراطية، أو على الأقل تجميدًا عمليًا للحقوق الطبيعية تحت مسوغات النظام والأمن.
البُعد الاجتماعي والسياسي
عندما يتحول الاحتجاج إلى نشاط مشروط، يُصبح المواطن في مواجهة معادلة صعبة:
-
الاحتجاج واجب لتغيير السياسات أو التعبير عن المطالب.
-
لكن الاحتجاج غير المرخّص، قد يعرّضك للعقوبة، أو للتنكيل، أو للإدراج في سجلات أمنية.
هنا يظهر التناقض بين الخطاب الدستوري المزين بالحقوق، والواقع الميداني الذي يفرض قيودًا صارمة. المواطن يعيش بين ورقة الدستور التي تقول “لك الحق في الاحتجاج” وبين الواقع الذي يقول: “لك الحق… إذا سمحنا لك”.
الخلاصة الفلسفية
الخط الأحمر للحق في الاحتجاج، ليس دائمًا مرسومًا بوضوح. إنه خط متحرك بين القانون والممارسة، بين النصوص الدستورية والتراخيص الإدارية، بين المبادئ والواقع اليومي.
في النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل سنعيد للحق في الاحتجاج طبيعته الفطرية، كحق يولد مع المواطن ولا يحتاج إذنًا؟ أم سيظل مجرد نشاط يُمنح ويُقيد وفق مصالح النظام؟




