الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

المواطن يُطرَد إلى “قاعة الانتظار”… أزمة سكن تفتقر إلى أبسط قواعد اللباقة

ضربة قلم

في المغرب، لم تعد أزمة السكن، مجرد أرقام تُتداول في التقارير، بل تحوّلت إلى مشاهد يومية قاسية، تُختصر في لحظة واحدة: باب يُغلق خلف أسرة، وأفق مفتوح على المجهول. ليس الأمر فقط قرار إفراغ أو هدم، بل طريقة التنفيذ التي تطرح سؤالاً مؤرقًا: أين هي اللباقة؟ أين الحد الأدنى من احترام الإنسان؟

تخيل أن تُطلب منك مغادرة منزلك، ليس لأنك مجرم، ولا لأنك اعتديت على أحد، بل لأن وضعك الاجتماعي، لم يُسعفك لتأمين بديل. ثم تُترك، ببساطة، في ما يشبه “قاعة انتظار” طويلة، بلا مقاعد، بلا موعد، وبلا يقين. انتظار التعويض، انتظار السكن، انتظار اللائحة، انتظار الفرج… انتظار قد يمتد حتى يبهت الأمل نفسه.

المفارقة المؤلمة أن المشكل لا يبدو تقنيًا فقط، بل إنساني بالدرجة الأولى. فالمواطن هنا لا يعترض على القانون في حد ذاته، ولا يرفض التنظيم أو إعادة الهيكلة، لكنه يصطدم بطريقة تُنفَّذ بها هذه القرارات، وكأنها إجراءات باردة، لا ترى في الإنسان سوى رقم. يُطلب منه أن يرحل الآن، أما كرامته… فلتنتظر دورها.

في مثل هذه الحالات، تتحول الأسر إلى حقائب متنقلة: من بيت إلى بيت، من حي إلى آخر، أو إلى بيوت أقارب، أو حتى إلى الشارع في بعض الأحيان. الأطفال يفقدون استقرارهم، والدراسة تصبح عبئًا إضافيًا، والآباء يعيشون إحساسًا قاسيًا بالعجز. كل ذلك يحدث، بينما الخطاب الرسمي يتحدث عن التنمية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

المشكلة ليست فقط في غياب الحلول الفورية، بل في غياب الحس الإنساني في التعامل مع الأزمة. كان بالإمكان أن تُدار هذه الملفات بقدر أكبر من التدرج، من التواصل، من توفير البدائل قبل التنفيذ، من منح الناس شعورًا بأنهم مواطنون لا عبء يجب التخلص منه. لكن ما يحدث في كثير من الحالات، يوحي بعكس ذلك تمامًا.

“قاعة الانتظار” لم تعد مجرد تعبير مجازي، بل واقع يعيشه آلاف الأشخاص: انتظار بلا جدول زمني واضح، بلا ضمانات كافية، وبلا رؤية تُعيد الطمأنينة. وكأن المواطن يُطلب منه أن يعلّق حياته إلى حين إشعار آخر.

هنا، يصبح النقاش أعمق من مجرد سكن. إنه نقاش حول العلاقة بين الدولة والمواطن، حول معنى الكرامة، وحول الطريقة التي تُدار بها القضايا الاجتماعية الحساسة. لأن القانون، مهما كان ضروريًا، يفقد جزءًا من مشروعيته، حين يُطبَّق دون مراعاة للإنسان.

في النهاية، قد تُحل أزمة السكن بالأرقام والمشاريع، لكن أزمة الثقة لا تُحل، إلا بطريقة التعامل. وما دام المواطن يُطرَد دون بديل، ويُترك في “الانتظار”، فإن السؤال سيبقى معلقًا:

هل نُدبّر أزمة سكن… أم نُدبّر أزمة كرامة؟

وفي الحالتين، يبدو أن ما يحدث اليوم… يفتقر فعلًا إلى قدر كبير من اللباقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.