الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الموظف بين الضمير والولاء الأعمى… تشريح هادئ لأصناف تملأ الإدارات وتكشف أعطابها

ضربة قلم

حين نتحدث عن الموظف، فنحن لا نتحدث عن كيان واحد متجانس، ولا عن صورة نمطية جامدة، بل عن عالم كامل من السلوكيات والعقليات، تتداخل فيه القناعات الشخصية، مع ضغوط المنصب، وتتصادم فيه الأخلاق مع منطق “سيرْ مع التيار”. فالوظيفة العمومية، كما التجربة الإنسانية، تفرز أصنافًا متعددة من الموظفين، كل صنف يعكس جزءًا من أزمة الإدارة، وجزءًا من أزمة المجتمع نفسه.

الموظف “الطيّع”… حين يتحول الانضباط إلى انبطاح

أول هذه الأصناف، وأكثرها حضورًا وتأثيرًا، هو الموظف الطيّع أو المنبطح، ذاك الذي ينتمي – كما يُقال في التداول اليومي – إلى طينة “بني وي وي”.
هو الموظف الذي لا يعرف كلمة “لا”، ولا يستسيغ فكرة الاعتراض، ولا يرى في القانون، سوى تفصيل، يمكن القفز عليه إذا أومأ الرئيس بذلك. حين يخاطبه المسؤول، يكون الجواب جاهزًا وسريعًا:
“وي… وي… نعام أس”، حتى قبل أن يكتمل السؤال.

هذا الصنف لا يرفض طلبًا، ولو كان:

  • خارج القانون

  • مخالفًا للمنطق

  • أو ماسًا بحقوق الغير

بل يعتبر ذلك “حسن نية” و“روح تعاون”، بينما هو في العمق تنازل متواصل عن الكرامة المهنية.

المفارقة أن هذا الموظف:

  • يحرم نفسه من العطل السنوية

  • يشتغل ليلًا ونهارًا

  • يظهر دائمًا بمظهر “الجندي المجهول”

فيكافأ سريعًا بالترقية، ويُمنح المسؤولية، لا لأنه الأكفأ، بل لأنه الأكثر طاعة.
وما إن يجلس على كرسي المسؤولية، حتى يعيد إنتاج نفس النموذج، ويمارس نفس الضغط على مرؤوسيه، ويطالبهم بما كان يُطالب به هو سابقًا: الصمت، التنفيذ، وتجنّب الإحراج.

والأكثر مرارة أن رئيسه لا يحترمه في قرارة نفسه، لكنه يعجبه، لأنه يرى فيه مرآة لنرجسيته، ويجد فيه من:

  • ينافق

  • يطأطئ الرأس

  • ويبرر كل قرار مهما كان عبثيًا

الموظف النقابي “اللايت”… نضال بحسابات دقيقة

ننتقل إلى صنف آخر أكثر دهاءً، وأقل ضجيجًا، هو الموظف النقابي “اللايت”.
هذا الموظف لا يرفع الشعارات الكبيرة، ولا يدخل في صدامات مفتوحة، لكنه في الوقت نفسه، ليس بعيدًا عن “اللعبة”.

هو نقابي:

  • يحسب خطواته بدقة

  • يزن كلماته قبل أن ينطق بها

  • يعرف متى يصمت، ومتى يتكلم

لا يحرج من يستفيد معهم من عمليات السمسرة والامتيازات، ولا يفتح ملفات، قد تقوده إلى العزلة أو التهميش. نضاله انتقائي، ومواقفه مرنة، وحدوده مرسومة بعناية.

وهو، رغم كل شيء، يختلف عن ذلك النقابي الشعبوي، الذي يصرخ ليل نهار، ويدّعي أن النقابة “تشرق وتغرب” على يديه، بينما الواقع يشهد أنه:

  • يتاجر بالملفات

  • يستعمل القواعد وقودًا

  • ويحوّل النضال إلى وسيلة تسلق

أحيانًا، يكون النقابي “اللايت” أقل ضررا من كثير من المتاجرين بالنقابة، لأنه على الأقل لا يتحرك في منطقة رمادية، تعكس بدورها أزمة العمل النقابي داخل الإدارة.

حين يقول النقابي الشريف “لا”… صوت الضمير في الإدارة

في عالم الوظيفة العمومية، لا يمكن حصر النقابيين في صورة واحدة، ولا يمكن الحكم عليهم جميعًا بمقياس واحد. هناك فئة نادرة لكنها حقيقية، النقابيون الشرفاء، الذين يمثلون الضمير الحي داخل الإدارة، والذين يحافظون على جوهر النقابة، كأداة للعدالة والمساءلة.

هؤلاء النقابيون، حين يقولون “لا”، لا يكون رفضهم نابعًا من مصلحة شخصية أو خوف من المسؤول، بل من ضميرهم المهني ومن شعورهم بالمسؤولية تجاه الزملاء والقوانين. لكن المفارقة أنهم، في كثير من الأحيان، لا يتحملون كل العواقب الناتجة عن موقفهم، ليس لضعف شخصي، بل لأن المنظومة، غالبًا لا توفر الدعم الكافي لهم، ولا تحمي من يرفع صوته في وجه التجاوزات.

هم يرفضون التواطؤ أو السكوت على المخالفات، ويصرون على التمسك بالمساطر والأنظمة، ويكون صوتهم قليلًا أمام ضجيج الانبطاح أو النفاق. ومع ذلك، تظل وجودهم علامة أمل، ونافذة ضوء في الإدارات، التي غالبًا ما يغلب عليها الروتين والامتثال الأعمى.

هؤلاء النقابيون الشرفاء يعلمون أن قول “لا” أحيانًا يحتاج إلى شجاعة أكبر من تنفيذ كل الأوامر دون تفكير، وأن مسؤوليتهم الحقيقية، ليست في الدفاع عن أنفسهم، بل في الدفاع عن قيم العمل والنزاهة. وهم، رغم كل ما يواجهونه من تحديات، يذكرون زملاءهم، بأن الوظيفة ليست مجرد تنفيذ أوامر، بل التزام بالأخلاق، بالقانون، وبالحق العام.

في ظل كل ما يُسجل من تجاوزات ومواقف متناقضة، يظل وجود النقابي الشريف دليلًا حيًا على أن النقابة، ليست مجرد شعار، وأن هناك من يزرع بذور الشفافية والنزاهة في قلب الإدارة، حتى لو كان صوته ضعيفًا أو مهددًا أحيانًا. هؤلاء هم النقابيون الذين حين يقولون “لا”، يقولون الحقيقة بعفوية وشرف، رغم أنظمة قد لا تساعدهم على تحمل العواقب.

الموظف “الطوبيس”… الصوت المزعج للضمير

ثم نصل إلى الصنف الأكثر إزعاجًا… الموظف غير المرغوب فيه.
ذاك الذي لا يحب المسؤول رؤيته، ولا يستسيغ وجوده، ولا يرتاح لملامحه.
في اللغة العامية، يُسمّى: “الطوبيس”، أي الحافلة التي “تمشي طولا”.

هذا الموظف:

  • لا يعرف الالتفاف

  • لا يجيد المراوغة

  • ولا يملك موهبة تليين القوانين

حين يُطلب منه إيجاد “تخريجة” للتهرب من القانون، يحتج.
وحين يُطلب منه تمرير ملف مشبوه، يرفع صوته.
وحين يُستدعى لتبرير خرق واضح، يقول ببساطة: “هذا غير قانوني”.

صوته قد يُسمع من:

  • مكتب بعيد

  • زاوية أخرى من الإدارة

  • أو حتى من طابق مختلف

ولهذا السبب، يُنظر إليه كـ:

  • عنصر مشاغب

  • شخص معقّد

  • أو موظف “لا يفهم كيف تسير الأمور”

لكن الحقيقة أن هذا الصنف هو آخر ما تبقى من روح الوظيفة العمومية.
هو لا يطلب امتيازات، ولا يبحث عن ترقية سريعة، لكنه يدافع عن:

  • القانون

  • المسطرة

  • وكرامة المرفق العمومي

ثمن ذلك غالبًا:

  • التهميش

  • العرقلة

  • أو الإقصاء غير المعلن

خلاصة القول

هذه الأصناف ليست خيالًا، بل واقعًا يوميًا داخل إداراتنا.
والإشكال الحقيقي، لا يكمن في وجودها، بل في المنظومة التي تكافئ الانبطاح، وتخاف من الصوت المستقيم، وتفرغ النقابة من معناها.

الإدارة لا تُصلح بتكثير “الوي وي”،
ولا باستعراض النقابة،
بل بإعادة الاعتبار للموظف الذي:

  • يحترم القانون

  • يشتغل بضمير

  • ولا يخاف من قول “لا” حين يجب أن تُقال.

وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى “الطوبيس” يسير طولا…
مزعجًا،
وحيدًا،
لكنه الأكثر نزاهة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.