المونديال الأخير… عندما يطوي ميسي ورونالدو آخر صفحة من كتاب الأساطير

ضربة قلم
في كرة القدم، هناك لاعبون عظماء، وهناك نجوم يلمعون لسنوات، ثم يخفت بريقهم، وهناك فئة نادرة جداً، تتجاوز حدود الزمن، وتصبح جزءاً من ذاكرة الإنسانية. هذه الفئة لا تلعب كرة القدم فقط، بل تصنع حقبة كاملة، وتحوّل المستديرة إلى قصة تُروى من جيل إلى جيل.
واليوم، ونحن نعيش أجواء كأس العالم 2026، يدرك عشاق اللعبة في كل القارات، أن الأمر لا يتعلق بمونديال عادي، بل بموعد تاريخي، قد يشهد الظهور الأخير، لاثنين من أعظم من لمس الكرة على الإطلاق: ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو.
إنه المونديال الذي قد يعلن نهاية عصر استثنائي دام أكثر من عشرين سنة، عصر انقسم فيه العالم إلى فريقين: عشاق ميسي وعشاق رونالدو.
ولعل الأجيال الجديدة، لا تدرك حجم الامتياز الذي عاشته. فمنذ أكثر من عقدين، اعتاد الجمهور على مشهد غير مسبوق: كل سنة تقريباً، أحدهما يرفع كأساً، يكسر رقماً قياسياً، يحصد جائزة فردية، أو يسجل هدفاً مستحيلاً.
لقد أصبح وجودهما أمراً بديهياً، حتى نسي الناس أن الأساطير لا تبقى إلى الأبد.
قبل ميسي ورونالدو، ظن العالم أن كرة القدم انتهت برحيل بيليه. كان “الملك” بالنسبة إلى ملايين البشر، أكثر من لاعب، كان رمزاً لكرة القدم الجميلة، والابتسامة التي جعلت الكرة لغة عالمية.
وعندما اعتزل بيليه، شعر كثيرون أن اللعبة، فقدت جزءاً من روحها.
ثم جاء الساحر دييغو مارادونا، اللاعب الذي جعل المستحيل ممكناً، والذي حمل منتخب بلاده، على كتفيه نحو المجد في مونديال 1986، وترك بصمة لم ينجح أحد في محوها حتى اليوم.
رحل مارادونا، وبقي السؤال معلقاً: هل يمكن تعويضه؟
والجواب كان دائماً: لا.
فبعض اللاعبين لا يُعوَّضون.
مثلهم مثل اللوحات الفنية الخالدة أو القصائد العظيمة، لا يمكن استنساخهم.
ثم جاء عصر آخر، عصر هيمن عليه رجلان فقط.
منذ سنة 2008 وحتى سنوات قريبة، احتكر ميسي ورونالدو الجوائز الفردية، وتبادلا السيطرة على العالم بطريقة، لم تحدث من قبل.
لقد حوّلا المنافسة بينهما إلى أعظم قصة رياضية، في القرن الحادي والعشرين.
رونالدو كان نموذج الإرادة البشرية.
طفل خرج من جزيرة صغيرة في البرتغال، ليصبح أحد أشهر الرياضيين في تاريخ الإنسانية. بنى نفسه بالعمل والانضباط والتضحية، وكأنه يريد أن يثبت أن المستحيل مجرد كلمة.
في كل مرة، كان الناس يعتقدون أن نهايته اقتربت، كان يعود من جديد.
سجل في إنجلترا، وتألق في إسبانيا، ونجح في إيطاليا، ثم واصل كتابة فصوله في السعودية.
أما ميسي، فقد بدا وكأنه جاء من عالم آخر.
لم يكن يركض كثيراً، لكنه كان يرى ما لا يراه الآخرون.
كانت الكرة تلتصق بقدمه بطريقة يصعب تفسيرها.
كان يمر من المدافعين، كما يمر الماء بين الأصابع.
وإذا كان رونالدو قد أقنع العالم، بأن العمل يصنع المعجزات، فإن ميسي أقنعه بأن الموهبة أيضاً هبة سماوية.
ثم جاءت لحظة التتويج الكبرى في كأس العالم 2022.
رفع ميسي الكأس التي استعصت عليه سنوات طويلة.
بكى، وضحك، وعانق الحلم الذي انتظره عمره كله.
في تلك الليلة، شعر كثيرون أن دائرة التاريخ قد اكتملت، وأن الطفل القادم من مدينة روساريو، أصبح أخيراً خالداً.
أما رونالدو، فقد غادر مونديال قطر والدموع في عينيه.
كان يدرك أن حلم رفع كأس العالم، يبتعد شيئاً فشيئاً.
لكن الدموع لم تقلل من عظمته.
فالأساطير لا تُقاس فقط بالكؤوس.
هناك أساطير، لم تفز بكأس العالم، لكنها بقيت خالدة في ذاكرة الجماهير.
المونديال الحالي قد يكون آخر رقصة لهذين العملاقين.
آخر مرة سيرتدي فيها ميسي القميص الأرجنتيني في أكبر مسرح كروي.
وآخر فرصة لرونالدو، كي يودع البطولة التي منحته الشهرة العالمية.
سيكون مشهداً استثنائياً.
جماهير ستصفق، وأخرى ستبكي، وأطفال سيكتشفون لأول مرة، أن الأبطال أيضاً يشيخون.
بعد اعتزال ميسي ورونالدو، ستستمر كرة القدم، كما استمرت بعد بيليه ومارادونا، وكما استمرت بعد أجيال من العباقرة.
لكن شيئاً ما سيتغير.
سنفتقد تلك المقارنات اليومية.
سنفتقد انتظار أهدافهما.
سنفتقد الجدل الذي لم ينته أبداً، حول من هو الأفضل.
سنفتقد حقبة كاملة.
قد تظهر أسماء جديدة، وقد يبرز نجوم كبار، لكن من الصعب جداً، أن يتكرر ما حدث خلال العقدين الأخيرين.
فالاجتماع بين لاعبين بهذا المستوى، وفي الفترة الزمنية نفسها، وبكل هذه الأرقام والإنجازات، قد لا يتكرر لعقود طويلة.
لهذا، فإن مونديال 2026، ليس مجرد بطولة أخرى.
إنه وداع جيل كامل.
إنه الفصل الأخير من رواية رياضية استثنائية.
إنه المونديال الذي قد يطفئ آخر أضواء عصر ميسي ورونالدو، ليصبحا، مثل بيليه ومارادونا، جزءاً من ذاكرة كرة القدم الخالدة.
وعندما يسدل الستار، سيدرك العالم شيئاً واحداً:
لقد كنا محظوظين…
محظوظين لأننا عشنا زمن الأساطير.




