
ضربة قلم
تعيش المنطقة المحاذية لشاطئ المحمدية، هذه الأيام على وقع أشغال قص وتهذيب النخيل الذي يزين الواجهة الساحلية للمدينة، وهي خطوة لقيت استحساناً من طرف العديد من المواطنين الذين يعتبرون، أن العناية بالفضاءات الخضراء والأشجار، جزء لا يتجزأ من جمالية المدينة وصورتها لدى الزوار والمصطافين. غير أن هذه الأشغال، أعادت إلى الواجهة سؤالاً يطرحه عدد من سكان أحياء أخرى منذ سنوات، ويتعلق بمدى استفادة مختلف مناطق المدينة من نفس الاهتمام والعناية، أم أن بعض الشوارع والأحياء تظل خارج دائرة الأولويات إلى أجل غير مسمى.
ففي الوقت الذي يتم فيه الاعتناء بالنخيل المحيط بالشاطئ وبالفضاءات التي تستقطب الزوار، لا تزال زنقة سوس وعدد من الشوارع والأحياء الأخرى، تعاني من النمو المفرط لبعض أشجار النخيل التي تجاوز ارتفاعها الحدود المعقولة، حتى أصبحت تشكل مصدر إزعاج يومي للسكان، خاصة أولئك الذين يقطنون في الطوابق العليا للعمارات السكنية.
ويؤكد عدد من السكان، أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالجانب الجمالي، بل أصبحت تطرح إشكالات عملية وحقيقية. فالأغصان اليابسة التي تتدلى من أعلى الأشجار، وسعف النخيل الذي يتطاير بفعل الرياح القوية، يثيران مخاوف مشروعة لدى المواطنين، خصوصاً خلال الفترات التي تعرف هبوب رياح قوية أو تقلبات جوية مفاجئة. كما أن بعض الأشجار، أصبحت تحجب جزءاً من الضوء الطبيعي عن الشقق المجاورة، فضلاً عن تراكم الأتربة والحشرات والطيور، التي تجد في النخيل المرتفع ملاذاً دائماً.
ويشير عدد من المتتبعين إلى أن بعض النخيل المنتشر في المدينة، يبدو في وضعية تستدعي المعاينة التقنية المستعجلة، حيث تظهر على بعض الأشجار علامات ميلان واضحة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى سلامتها ومدى قدرتها على مقاومة العوامل الطبيعية المختلفة. صحيح أن سقوط النخيل يبقى حالة استثنائية، غير أن الوقاية تبقى دائماً أفضل من انتظار وقوع ما لا تحمد عقباه، خصوصاً في المناطق التي تعرف كثافة سكانية مرتفعة، أو حركة مرور يومية للمواطنين.
وإذا كانت المصالح المختصة، قد باشرت عمليات التشذيب والتهذيب في بعض النقاط، فإن سكان عدد من الأحياء يتطلعون إلى اعتماد مقاربة أكثر شمولية، تقوم على إحصاء جميع الأشجار التي تحتاج إلى تدخل وصيانة، بدل الاقتصار على بعض المواقع دون غيرها. فالنخلة الموجودة قرب البحر، ليست أهم من تلك الموجودة وسط حي سكني، وسلامة المواطنين لا ينبغي أن ترتبط بالموقع الجغرافي أو بقرب المكان من المسارات السياحية.
ويبدو أن الإشكال الحقيقي، لا يكمن في غياب الكفاءات أو الإمكانيات، بقدر ما يرتبط أحياناً بترتيب الأولويات وتوزيع التدخلات بشكل متوازن، بين مختلف أحياء المدينة. فالمواطن الذي يقطن في زنقة سوس أو في أي حي آخر من أحياء المحمدية، له الحق بدوره في فضاء عمومي آمن ونظيف ومهيأ، تماماً كما هو الحال بالنسبة للواجهة البحرية أو المناطق الأكثر استقطاباً للزوار.
كما أن العناية بالنخيل، ليست مجرد عملية تجميلية أو موسمية مرتبطة بفصل الصيف، بل هي جزء من تدبير المجال الحضري والمحافظة على الرصيد البيئي للمدينة. فالأشجار تحتاج إلى مراقبة دورية، وتشذيب منتظم، ومعاينات تقنية، تسمح بالكشف المبكر عن أي خطر محتمل أو مرض قد يصيبها، خاصة وأن النخيل يعد من العناصر الأساسية التي تمنح المحمدية جزءاً من هويتها البصرية المعروفة.
ومن هذا المنطلق، يأمل العديد من سكان المدينة، أن تمتد تدخلات مصلحة البستنة إلى مختلف النقط التي طالها النسيان خلال السنوات الماضية، وأن يتم فتح ورش شامل لمراجعة وضعية النخيل والأشجار بمختلف الأحياء، بعيداً عن أي تمييز بين مركز المدينة وأطرافها أو بين المناطق السياحية والأحياء السكنية.
فالمحمدية ليست فقط شاطئاً جميلاً أو كورنيشاً يستقطب الزوار خلال فصل الصيف، بل هي أيضاً أحياء وشوارع يعيش فيها آلاف المواطنين على مدار السنة، وينتظرون نصيبهم المشروع من العناية والاهتمام. لذلك يبقى الأمل معقوداً على أن تلتفت المصالح المختصة إلى كل المواقع التي تحتاج إلى تدخل، وأن يتم التعامل مع مطالب السكان بالجدية اللازمة، حتى تظل أشجار النخيل عنواناً للجمال والراحة، لا مصدراً للقلق والانشغال اليومي.




