الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

النعمة تتحول إلى لعنة… أبناء “اليد العامرة” يسقطون في فخ المخدرات الصلبة بصمت مخيف

ضربة قلم

اعتاد المجتمع طويلًا على ربط المخدرات الصلبة بالفقر والهشاشة والأحياء المهمشة، حتى صار كثيرون، يعتقدون أن المدمن هو دائمًا ذلك الشاب الذي طحنته الحاجة، وأرهقته الحياة. لكن الواقع الذي يُخفى خلف الأبواب المغلقة، وداخل بعض البيوت الراقية والسيارات الفاخرة والسهرات الصاخبة، يكشف حقيقة أكثر تعقيدًا وأشد قسوة: كثرة حيلة اليد أيضًا، قد تُعلّم الانحراف، بل وقد تدفع أحيانًا نحو أخطر أنواع الإدمان وأكثرها تدميرًا.

فحين يكبر بعض الشباب وهم يجدون كل شيء متاحًا دون تعب، المال حاضر، والرغبات تُلبّى بسرعة، والرقابة غائبة أو ضعيفة، يبدأ نوع آخر من الفراغ في التسلل إلى الداخل. فراغ لا علاقة له بالجوع أو الحاجة، بل بفقدان المعنى والإحساس الحقيقي بقيمة الأشياء. هناك من يتحول المال بين يديه من نعمة إلى وسيلة للهروب، ومن باب للراحة إلى بوابة للتجارب الخطيرة التي تبدأ غالبًا بدافع الفضول أو “التجربة فقط”.

في كثير من الحالات، لا تبدأ القصة بمجرم أو منحرف، بل بشاب يعيش حياة تبدو مثالية من الخارج: هاتف فاخر، ملابس باهظة، سهرات، أصدقاء، وسيارة حديثة. لكن خلف هذا البريق، قد يوجد فراغ عاطفي كبير، أو غياب للحوار داخل الأسرة، أو تربية قائمة فقط على توفير المال، بدل توفير الاحتواء والانتباه. وهنا يصبح الشاب سهل الانجذاب لأي دائرة تمنحه شعورًا مؤقتًا بالقوة أو النشوة أو الانتماء، حتى ولو كان الثمن هو السقوط التدريجي في عالم المخدرات الصلبة.

والمشكلة أن بعض الأوساط، أصبحت تتعامل مع أنواع خطيرة من المخدرات، وكأنها مجرد “موضة” أو رمز للتحرر والجرأة، خصوصًا وسط جماعات تسخر من الحذر، وتعتبر التهور نوعًا من الشخصية القوية. في البداية تبدو المسألة مجرد تجربة عابرة، ثم تتحول إلى عادة، ثم إلى إدمان يلتهم الصحة والعلاقات والدراسة والمستقبل، دون أن يشعر صاحبه متى فقد السيطرة.

الأخطر من ذلك أن المال أحيانًا يؤخر ظهور الكارثة. فالفقير قد ينهار سريعًا، بسبب عدم قدرته على الاستمرار، أما الميسور فقد يواصل السقوط لفترة أطول، لأنه قادر على تمويل هذا التدمير الذاتي بصمت. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: الإدمان وسط بعض الأسر الميسورة، قد يختبئ خلف المظاهر اللامعة، فلا يكتشفه المحيط إلا بعد وقوع الكارثة.

كما أن المجتمع يرتكب خطأ كبيرًا، حين يختزل المخدرات في الفقر فقط، لأنه بذلك يغض الطرف عن أشكال أخرى من الضياع تنمو داخل بيئات تبدو “ناجحة” من الخارج. فكم من شاب كان يملك كل وسائل الراحة، لكنه فقد نفسه، بسبب غياب التوازن والاحتواء والوعي. وكم من أسرة، اعتقدت أن توفير المال يكفي لصناعة إنسان متزن، لتكتشف متأخرة أن أبناءها كانوا يبحثون عن الاهتمام لا عن المزيد من المصروف.

الحقيقة التي يخشى كثيرون قولها هي أن كثرة المال بلا تربية قد تكون خطيرة مثل الفقر بلا أمل. فكما تدفع الحاجة بعض الناس إلى الانكسار، قد تدفع الوفرة غير المؤطرة آخرين إلى الاستهتار بكل شيء، حتى بأجسادهم وحياتهم نفسها.

لهذا، فالمعركة الحقيقية ليست فقط ضد المخدرات، بل ضد الفراغ الذي يدفع إليها، وضد التربية التي تختزل الحب في المال، وضد مجتمع، أصبح يقيس النجاح، بما يملكه الإنسان، لا بما يحمله داخله من وعي وقيم واتزان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.