النفاق الاجتماعي بنكهة تارتوفيرية: أخلاق على اللسان فقط

ضربة قلم
في وقت صار فيه الكذب فضيلةً إعلامية، والنفاق مهارةً اجتماعية، والتصنّع وسيلةً للترقّي، يُمكن القول إننا نعيش عصر “التارتوفية” الحديثة، نسبةً إلى “تارتوف” بطل مسرحية موليير، ذاك الرجل الذي لبس عباءة الورع ليخفي تحتها طموحًا دنيئًا وحسابًا بنكيًا مفتوحًا على الغش والخداع.
اليوم، لم يعد تارتوف شخصية مسرحية من القرن السابع عشر، بل مواطن يعيش بيننا… بل يبتسم لنا صباحًا في الشارع، ويعظنا مساءً في الفيسبوك.
مشهد أول: مقهى الأخلاق
ادخل أي مقهى وستسمع جوقة من الأصوات تسبّ “الفساد”، وتهتف “اللهم أصلح البلاد والعباد”، بينما الطاولة المجاورة تتبادل النميمة بحرارة تفوق حرارة الشاي.
أحدهم يشتكي من غلاء الأسعار، وقد نسي أنه نفسه رفع سعر الخبز في محله أمس دون سبب وجيه.
وآخر يتحدث عن “الحياء المفقود”، وهو يغرق في صفحات “الإنستغرام” بحثًا عن صور غير محتشمة.
هكذا نحن: نحارب الشرّ بالكلمات، ونعيش فيه بالأفعال.
مشهد ثانٍ: الورع الموسمي
مع قدوم رمضان، تتحول مواقع التواصل إلى مهرجان من التدين الفوري.
صور المصاحف، ودعوات الخشوع، ولقطات الإفطار الجماعي، وكلمات “اللهم بلغنا ليلة القدر” تتكاثر كالفطر.
لكن ما إن يُعلن العيد حتى يتبخّر الورع مع أول أغنية صاخبة، وتُطوى المصاحف بسرعة تفوق طيّ موائد الشباكية.
كأننا نؤدي دورًا تمثيليًا في مسلسل ديني رمضاني، تنتهي حلقاته بانتهاء الشهر، لنعود بعده إلى “تارتوف” الحقيقي فينا.
مشهد ثالث: التضامن الافتراضي
يكفي أن يظهر فيديو لشخص فقير أو مريض حتى تنفجر التعليقات بـ“الله يشافيه”، و“اللهم ارزقه”، و“وا عيب الله شنو هاد الدولة”،
لكن نفس الأشخاص سيمرّون بعد ساعة أمام متسوّل حقيقي دون أن يلتفتوا إليه.
إنه تضامن بالـ”لايك” فقط، رحمة رقمية لا تُكلّف شيئًا سوى الضغط على زرّ.
لقد صار الضمير عندنا يعمل بالواي فاي، وسرعته تتأثر بقوة الشبكة.
مشهد رابع: النخبة المنافقة
أما في عالم “المثقفين” و“الفاعلين الجمعويين” و“الحقوقيين”، فحدّث ولا حرج!
تجد من يتحدث عن “كرامة الإنسان” وهو لا يردّ على رسالة طالب مساعدة.
وتجد من يدافع عن “حقوق المرأة” بينما يصرخ في وجه زوجته لأنها تأخرت في إعداد الشاي.
بل هناك من يهاجم الفساد في الندوات، ويعيش على منحٍ فاسدة!
هؤلاء “تارتوفات” أنيقة، يلبسون البدلات، ويتحدثون بلغة فصيحة، ويعيشون تناقضهم بفخر أكاديمي.
مشهد خامس: التباهي بالفضيلة
يُقال إن العمل الصالح لا يُعلن عنه، لكننا اليوم لا نؤمن إلا بما يُوثّق بالهاتف!
من يوزّع القفف يصوّر، ومن يُنظّف الشاطئ يُعلّق، ومن يتبرّع بدرهمٍ يصوّر نفسه مع الفقير كأنه التقط سيلفي مع الإنجاز.
إنها “الأنانية المتواضعة”، نريد أن نبدو طيبين، لا أن نكون طيبين فعلاً.
نغسل سمعتنا أمام المتابعين، بينما لا نغسل قلوبنا من الغش والرياء.
خلاصة المشهد الأخير
النفاق الاجتماعي في مجتمعاتنا صار نظام تشغيل للحياة اليومية:
-
في السياسة، نكذب باسم الوطنية.
-
في الدين، نغش باسم التقوى.
-
في العمل، نسرق باسم “الفرصة”.
-
وفي العلاقات، نخون باسم “الظروف”.
نحن جيل “تارتوف”، نتحدث عن الأخلاق كما يتحدث المدخن عن أضرار التدخين.
نعرف الصحّ، لكننا نختار العكس، ثم نبرّره بالابتسامة.
النهاية… أو البداية؟
الطريق إلى الصدق أصبح وعراً لأننا تعبنا من مواجهة ذواتنا.
كلنا نضع أقنعة: قناع الدين، قناع التضامن، قناع التواضع.
لكن أسوأ الأقنعة، هو ذاك الذي نرتديه ونحن وحدنا أمام المرآة.
فربّما آن الأوان أن نعيد تعريف الأخلاق… لا بالكلمات، ولا بالمنشورات، بل بالسلوك الذي لا يحتاج إلى شاهد ولا كاميرا.



