
ضربة قلم
عاد ملف سامير إلى واجهة النقاش الاقتصادي والطاقي في المغرب، بعد تقديم عرض استثماري وُصف بالجدي والجذاب من طرف مستثمر من منطقة الخليج، يروم الاستحواذ على أصول المصفاة، وإعادة تشغيلها بعد سنوات طويلة من التوقف، والتصفية القضائية. هذا التطور يعيد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل التكرير بالمغرب، وجدوى إعادة بعث هذه المنشأة الصناعية الثقيلة، وحدود تدخل الدولة في قطاع استراتيجي يرتبط مباشرة بالأمن الطاقي الوطني.
أولاً: رمزية سامير في الاقتصاد المغربي
لم تكن سامير مجرد شركة صناعية عادية، بل شكلت لعقود إحدى الركائز الأساسية، للبنية الطاقية بالمغرب. فقد لعبت دورًا محوريًا في:
-
ضمان جزء مهم من حاجيات البلاد من المواد المكررة.
-
توفير مخزون استراتيجي يخفف من تقلبات السوق الدولية.
-
خلق آلاف مناصب الشغل المباشرة وغير المباشرة.
-
تكوين خبرات وطنية في مجال التكرير والصناعات البترولية.
توقف المصفاة عن العمل، لم يكن حدثًا تقنيًا فحسب، بل شكل تحولًا استراتيجيًا، جعل المغرب يعتمد كليًا تقريبًا على استيراد المواد المكررة بدل الخام، وهو خيار له كلفة اقتصادية وسيادية عالية.
ثانيًا: دلالات العرض الاستثماري الجديد
العرض الخليجي لا يمكن قراءته كصفقة مالية فقط، بل كإشارة سياسية واقتصادية متعددة الأبعاد:
-
عودة الاهتمام الدولي بالتكرير في المغرب
بعد سنوات من الفتور، يعكس هذا العرض اقتناعًا بجدوى الاستثمار في البنية التحتية الطاقية للمملكة، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي بين أوروبا وإفريقيا، وقربها من الممرات البحرية العالمية. -
رهان على إعادة تشغيل وليس فقط تفويت الأصول
ما يميز هذا العرض عن محاولات سابقة، هو كونه يطرح منطق الإحياء الصناعي، وليس مجرد تفكيك الأصول أو استغلال العقار الصناعي. الحديث هنا عن:-
تحديث الوحدات الإنتاجية.
-
ضخ استثمارات إضافية في السلامة البيئية.
-
إعادة إدماج جزء مهم من اليد العاملة السابقة.
-
-
وجود غطاء مالي ومؤسساتي قوي
دخول مؤسسات تمويل دولية على الخط يمنح العرض مصداقية أكبر، ويحد من سيناريوهات “العروض الوهمية” التي طبعت بعض المراحل السابقة من هذا الملف.
ثالثًا: الرهانات الاقتصادية الكبرى
1. على مستوى الميزان التجاري
إعادة تشغيل سامير قد تسمح بتقليص فاتورة استيراد المحروقات المكررة، عبر استيراد النفط الخام وتكريره محليًا، وهو ما قد يخفف الضغط على العملة الصعبة.
2. على مستوى الأسعار الداخلية
وجود مصفاة وطنية، قد يخلق هامشًا أوسع للتدخل العمومي في حالات الأزمات الدولية، ويحد نسبيًا من تقلبات الأسعار المرتبطة بسوق التكرير العالمي، ولو بشكل غير مباشر.
3. على مستوى الاستثمار الصناعي
الصفقة، إن تمت دون فيتو – وأنتم تفهمون البقية – ستبعث رسالة قوية، مفادها أن المغرب قادر على إنقاذ منشآته الاستراتيجية، لا عن طريق التفريط فيها، بل عبر إعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية الوطنية.
رابعًا: البعد الاجتماعي والإنساني للملف
وراء أرقام الديون والاستثمارات، يوجد ملف اجتماعي ثقيل:
-
آلاف العمال الذين فقدوا مصدر رزقهم.
-
مدينة المحمدية التي تضررت اقتصاديًا واجتماعيًا.
-
شبكة من المقاولات الصغرى التي كانت مرتبطة بالمصفاة.
نجاح المشروع الجديد يظل رهينًا بمدى احترام:
-
الحقوق الاجتماعية للعمال السابقين.
-
إدماج الكفاءات الوطنية بدل الاعتماد الكلي على خبرات أجنبية.
-
توفير شروط عمل تحترم المعايير البيئية والصحية.
خامسًا: الإشكالات المطروحة أمام المشروع
رغم الطابع الإيجابي للعرض، فإن الطريق أمامه ليست معبدة بالكامل، إذ يواجه عدة تحديات:
-
تعقيد المسطرة القضائية
التصفية القضائية تجعل أي تفويت رهينًا بموافقة القضاء، وبموازنة دقيقة بين مصالح الدائنين والمصلحة العامة. -
ثقل المديونية المتراكمة
يبقى السؤال الجوهري: هل سيُشترط على المستثمر تحمل جزء من الديون؟ أم سيتم الفصل بين الأصول والخصوم؟ هذا الاختيار سيحدد مصير المفاوضات. -
التزامات الدولة
هل ستواكب الدولة المشروع عبر:
-
تحفيزات ضريبية؟
-
تسهيلات جمركية؟
-
إدماج المصفاة في استراتيجية الأمن الطاقي؟
غياب رؤية واضحة قد يحول الصفقة إلى مجرد استثمار معزول، بدل أن يكون رافعة وطنية.
سادسًا: سامير والسيادة الطاقية
في عالم يشهد اضطرابات جيوسياسية متواصلة، لم تعد الطاقة مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبحت أداة سيادة. ووجود مصفاة وطنية:
-
يمنح هامش استقلال نسبي.
-
يقلل من الارتهان الكامل للأسواق الخارجية.
-
يسمح بتدبير أفضل للمخزون الاستراتيجي.
ومن هذا المنظور، فإن إعادة تشغيل سامير، ليست مسألة شركة مفلسة، بل قضية خيار استراتيجي:
هل يريد المغرب أن يكون مجرد مستورد للمنتوج النهائي؟ أم فاعلًا صناعيًا في سلسلة الطاقة؟
خاتمة
العرض الخليجي لاقتناء سامير يفتح نافذة أمل في ملف ظل لسنوات عنوانًا للإخفاق والتردد. لكنه في الآن ذاته اختبار حقيقي لمدى قدرة المغرب على:
-
التوفيق بين منطق السوق ومنطق المصلحة العامة.
-
حماية منشآته الاستراتيجية، دون العودة إلى نماذج تدبير فاشلة.
-
تحويل أزمة صناعية إلى فرصة اقتصادية.
الكرة اليوم ليست فقط في ملعب المستثمر، بل في ملعب الدولة والقضاء والرؤية الوطنية الشاملة للطاقة. فإما أن تتحول سامير إلى قصة إنقاذ صناعي ناجحة، أو تظل مجرد ذكرى ثقيلة، في سجل التحولات الاقتصادية غير المكتملة.




