النيابة العامة ترفع الصوت: “تبديد ممنهج… ومال عام نُهب بدم بارد”

ضربة قلم
في جلسة اعتُبرت من أكثر الجلسات حدة، قدم نائب الوكيل العام بمحكمة الاستئناف في الدار البيضاء مرافعته التي حوّلت قاعة المحكمة إلى مساحة لعرض سلسلة من الوقائع التي وصفها بـ”العبث المالي الممنهج” خلال فترة تسيير محمد مبديع لجماعة الفقيه بن صالح.
وأكد ممثل النيابة أن الملف ليس مجرد أخطاء تدبيرية أو سوء تقدير، بل “منظومة كاملة من الاختلاس وتبديد أموال المواطنين”، طالبا الحكم بإدانة المتهم ومصادرة الممتلكات التي راكمها – وفق تقديره – خارج المسارات المشروعة، “حتى يعود المال العام إلى أصحابه، ولو بعد حين”.
ولم يكتف الادعاء بالتعميم، بل استعرض نماذج قال إنها تكشف “أسلوباً احترافياً في صناعة الهدر”:
عقود بملايين الدراهم مقابل مشاريع لم تر النور أصلاً، أو نفذت بطريقة كسولة، تُناقض كراسة الشروط، وصفقات رُفعت فيها الأسعار بشكل فجّ دون مبرر سوى فتح الباب أمام هوامش هائلة يصعب تعقبها.
وفي إحدى العمليات التي اعتُبرت “عنواناً للهدر السافر”، صرفت مبالغ كبيرة رغم عدم إكمال الأشغال، فيما تم تضخيم المهام على الورق لإظهار حجم عمل وهمي، بينما الواقع لا يعكس سوى فراغ إسمنتي يتوسطه استفهام عملاق: أين ذهبت الأموال؟
وفي ملف آخر، تم تغيير موقع إنجاز مشروع لأسباب، لم تستطع التحقيقات العثور لها على تفسير منطقي، سوى أنها تخدم مصالح ضيقة على حساب المصلحة العامة. شاهد من الشهود – وفق النيابة – وصف الأمر بأنه “ذريعة مقصودة لابتلاع الاعتمادات بكاملها”، وكأن التغيير كان مجرد مفتاح قفل خزائن الجماعة.
ولم تتوقف الحكاية عند الصفقات غير المكتملة، بل امتدت إلى مشاريع أنجزت لكنها جاءت “محملة بالفضائح التقنية”. شارع “علال عبد الله” كان المثال الصارخ: شقوق وتصدعات، ظهرت بعد وقت وجيز من استلام الأشغال، ما أجبر الجماعة على إصلاح ما كان يفترض أن يكون جديداً. بالنسبة للنيابة، هذا ليس مجرد سوء إنجاز، بل “استنزاف مزدوج”: مال لعمل سيئ، ومال آخر لإصلاحه.
أما أغرب ما كشفته التحقيقات، فهو ما وصفته النيابة بـ“الانتفاخ المالي غير الطبيعي للصفقات”. في عملية بسيطة لاقتلاع شجرتين، تحولت المهمة فجأة إلى اقتلاع 232 شجرة، مع تسعير كل واحدة بـ6000 درهم، رغم أن التكلفة الحقيقية أقل بكثير.
وبهذه الطريقة، يصبح شجر قليل الثمن، مشروعاً ذهبياً دون أن يعلم به أحد… إلا من يدير الخيوط.




