الواتساب العائلي: من كروب للتواصل إلى قاعة محكمة عائلية

ضربة قلم
كان الهدف الأول من إنشاء “كروب العائلة” (Groupe de la famille) على الواتساب بسيطًا جدًا: تبادل الأخبار السريعة، صور الأطفال، تهنئة الأعياد، وربما ترتيب دعوة عائلية صغيرة. لكن ما إن اجتمع العم والخال والعمة والزوجة والأولاد في مجموعة واحدة، حتى تحوّل الأمر من وسيلة للتواصل إلى مسرح كامل للأحداث، أشبه بمحكمة شعبية تُعقد فيها الجلسات يوميًا دون قاضٍ رسمي.
البداية: النوايا الطيبة
في البداية، يسود الهدوء. صباحيات مليئة بعبارات “صباح الخير”، صور الورود، دعوات “الله يفرّحكم” ورسائل مكررة منسوبة لعلماء لم يسمع بهم أحد. الكل يبتسم ويضغط على أيقونة “❤️” أو “👍”.
لكن الهدنة لا تدوم طويلًا… فالكروب مثل القدر، ما أن يغلي حتى يبدأ في الفوران.
الرسالة الصوتية المشؤومة
كل شيء يبدأ عادة برسالة صوتية من أحد أفراد العائلة. مدتها دقيقتان فقط، لكن وقعها أشد من خطبة سياسية. قد تكون نبرة الصوت حادة قليلًا، أو كلمة جاءت في غير محلها، فيتحول التسجيل إلى “أداة إدانة”.
فلان شعر أنها موجهة ضده.
فلانة قررت أن هذه نبرة استهزاء.
والآخرون بدأوا يحللون النوايا كأنهم خبراء في لغة الجسد.
خلال دقائق، يتحول الكروب إلى قاعة محكمة: الادعاء، الدفاع، والشهود كلهم حاضرين.
الصورة الغامضة
وإذا لم تكن الرسائل الصوتية كافية، تأتي الصور الغامضة لتزيد الطين بلة. ينشر أحدهم صورة طنجرة “كسكس” أو جلسة شاي مع تعليق بريء مثل: “مع الأحباب”.
لكن بدل أن تُفهم على أنها لحظة سعادة، تُترجم على الفور إلى:
لماذا لم تدعونا؟
مع أي أحباب بالضبط؟
آه، إذن نحن لسنا من الأحباب؟
الصورة التي كان يُفترض أن تنقل المودة، تتحول إلى دليل إدانة على “الإقصاء العائلي”.
حرب الملصقات والرموز
حين يتوتر الجو، تبدأ “الأسلحة الثقيلة” في الظهور: الملصقات (Stickers) والإيموجيات.
العم يرسل ملصقًا لقط غاضب.
الخالة ترد بصورة “امرأة تضع يدها على رأسها”.
ابن العم يكتفي بـ”😂😂😂” في الوقت غير المناسب.
وهكذا، بدل أن يهدأ النقاش، تزداد النار اشتعالًا، لأن الملصقات تحمل دائمًا أكثر من معنى.
الأبطال الخفيون
في كل كروب عائلي هناك شخصيات ثابتة:
المراقب الصامت: لا يكتب شيئًا أبدًا، لكنه يعرف كل التفاصيل، ويظهر فجأة في لقاء عائلي ليقول: “عارف شنو طرا فالكروب”.
المحامي: يتدخل دائمًا بعبارات مثل “عيب الله يهديكم” أو “ماشي مشكل صافي باركا”، لكنه لا يفلح في تهدئة أحد.
المفجر: كلمة واحدة منه تكفي ليعود النقاش إلى نقطة الصفر.
المتصالح مع الحظر: ينسحب كل مرة ثم يُعاد إضافته وكأنها لعبة “كَرّ وفرّ”.
النتيجة: قطيعة حقيقية
المضحك – أو المبكي- أن خلافًا صغيرًا على الواتساب قد يتحول إلى قطيعة حقيقية في الواقع. أشخاص يتجنبون السلام في الأعراس، أبناء عمومة يتشاجرون على جلوس الجد، وأحيانًا تصل الأمور إلى “البلوك” العلني، وكأن حذف شخص من الكروب هو إعلان حرب رسمية.
الدرس المستفاد
كروب العائلة على الواتساب ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو مرآة مصغرة للعلاقات الأسرية: إذا كانت الروابط قوية وصحية، يصبح القروب وسيلة للتقارب. أما إذا كانت العلاقات هشة، فإن الكروب لا يزيدها إلا تفككًا.
في النهاية، يبقى السؤال معلقًا: هل الحل في إغلاق الكروب نهائيًا، أم في تعيين “مدير عام” للعائلة يتعامل مع النقاشات مثلما يتعامل القاضي مع جلسة ساخنة؟




