الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

الوتار… حين يتكلّم الخشب والجلد وتنهض الذاكرة من تحت الرماد

عبد الله الشخص

في زحمة الآلات الحديثة، وفي زمنٍ باتت الموسيقى تُصنع بضغطة زرّ، يظل الوتار، تلك الآلة البسيطة في مظهرها، العميقة في جوهرها، واقفاً مثل حكيمٍ عجوز على عتبة الزمن، يبتسم بخجل وهو يرى أبناء اليوم يندهشون، مما عرفه الأجداد قبل قرون.
الوتار ليس مجرد آلة شعبية، كما يعتقد البعض؛ إنه جسرٌ خشبي يربط الماضي بالحاضر، ونافذة عتيقة تطل منها الثقافة المغربية على نفسها، لتتذكر من تكون، ومن أين جاءت، وإلى أي جذور تمتد.

منذ قرون طويلة، كان الوتار رفيق الدروب، صديق السهرات، ورفيق اللحظات التي تختلط فيها الذات بظلها. لم يكن غريبًا في أي بيت مغربي، ولا ضيفًا على أي مناسبة، بل كان جزءًا من المشهد اليومي: حين يجتمع الأصحاب على إبريق شاي ساخن، حين يختلي الإنسان بنفسه في لحظة تعب، أو حين يبحث العاشق عن موسيقى تترجم، ما لا يعرف قوله. هناك، دائماً، يظهر الوتار… متواضعًا لكنه حاضر بقوة القلب.

من بابل إلى المغرب… رحلة آلة ولدت في الحضارات وبلغت نضجها في الأيادي المغربية
إيتيمولوجيًا، كلمة لوتار مشتقة من وتر، وتنحدر من نفس السلالة الموسيقية التي أنجبت العود. لكن الطريق الذي سلكته هذه الآلة نحو المغرب، كان طويلاً ومتعرجًا، مرّ ببابل، ولامس الحضارة الفارسية والهندية، قبل أن تعيد الأيدي المغربية تشكيله وصقله، ليصبح في صورته الحالية: آلة مغربية خالصة، لا تشبه غيرها، لا في الصوت ولا في الروح.

صنعته التقليدية وحدها قصة أخرى:
علبة صدى محدبة تُغلف بجلد الماعز، ذراع خشبي طويل، وأوتار تُصنع قديمًا من المصران، قبل أن تدخل التطويرات الحديثة. لكن سر الوتار لم يكمن يومًا في شكله، بل في الفن الذي يسكبه العازف من أطراف أصابعه.

في بداياته القديمة، كان الوتار يتكوّن من وترين فقط، إلى أن جاء الفنان الشعبي محمد عويسة وأضاف الوتر الثالث، فكانت تلك أول قفزة في تاريخ الآلة. ثم جاء الأسطورة محمد رويشة الذي أضاف الوتر الرابع، فحفر اسمه في الذاكرة المغربية، وفتح الباب أمام ولادة مدرسة جديدة في العزف، مدرسة صنعت هوية صوتية كاملة.

هذه الإضافات، لم تكن مجرد تغيير في شكل الآلة، بل كانت ثورة موسيقية، سمحت للوتار بأن يتنفس أكثر، يتحرك بحرية أكبر، ويولد آلاف الألحان التي ما زالت تعيش اليوم.

وتنحدر منه عائلة كاملة… لكل واحدة منها حكايتها
من رحم الوتار خرجت آلات كثيرة:

  • الكنبري

  • السنتير (السويسي) الذي ارتبط بالملحون والطقطوقة الجبلية

  • الهجهوج، العمود الفقري لموسيقى “كناوة”
    آلات تختلف في الحجم والشكل، لكنها تشترك في شيء واحد: روح الوتار.

هذه العائلة لم تكن مجرد آلات موسيقية؛ كانت أدوات حملت قصص الناس، آلامهم، مقاومة القبائل للاحتلال، أناشيد السفر، وطقوس الفرح والحزن. بفضلها، حُفظت الذاكرة الشعبية من الضياع، وتناقلت الهمم والأحلام من جيل إلى جيل عبر أفواه الأشياخ الذين ظلوا حراسًا أمناء للتراث اللامادي المغربي.

الوتار… سجّلٌ موسيقيّ لقرونٍ من الصمود
ليس مبالغة القول إن الوتار لعب دورًا وطنيًا في لحظات تاريخية حرجة. فقد كان رفيق المناضلين، وصوت القبائل، ووسيلة لنقل الأفكار والرسائل بين المناطق حين لم تكن الإذاعات ولا الجرائد في متناول الجميع. كانت قصائده تخفي رسائل سياسية أحيانًا، وطنية أحيانًا أخرى، وفي كل الحالات كانت تحمل مشتركًا مقدسًا: حب المغرب.

ورغم مرور السنين، لم تفقد هذه الآلة سحرها. لا يزال الناس -من الصغير إلى الكبير-يقفون مذهولين أمام صوتها الدافئ، كأن في أوتارها شيئًا من الرمل، وشيئًا من الجبل، وشيئًا من دموع الأجداد.

مهرجان الوتار… محاولة لإنقاذ الذاكرة من النسيان
حين أعلن منظمو المهرجان الوطني للوتار بمدينة سطات أنهم يسعون إلى “إعادة الاعتبار لهذه الآلة”، لم يكونوا يبالغون. فالوتار ليس فقط آلة موسيقية، بل مرآة لتراث كامل.
الغاية، كما قالوا، هي الحفاظ على جسر يمتد بين الماضي والحاضر، ونقل المشعل من جيل إلى آخر، بروح الانفتاح والمزج بين المناطق، لأن التراث المغربي -رغم تنوعه-يعود في النهاية إلى جذر واحد.

نقول هذا وندعو وزارة الثقافة إلى التحرّك العاجل لتسجيل هذا التراث اللامادي على الصعيد الوطني، ولم لا الدفع به نحو لائحة التراث الإنساني لدى اليونسكو، قبل أن نستيقظ ذات صباح ونجد الوتار وقد غيّر جنسيته في دفاتر “القراصنة” الذين لا يترددون في اقتناص كل ما يلمع من تراثنا الأصيل. فالتاريخ لا يرحم المتأخرين، والذاكرة التي لا تجد من يحميها تُنتزع بسهولة، ثم تُعاد إلينا بعد سنوات على شكل “اكتشافٍ أجنبي” لما كان ملكًا لنا منذ قرون.

اللهم بلغنا، فاشهد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.