الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الوجبة التي لا تُشبع: الإعلام المغربي وإدمان اللاشيء

ضربة قلم

في بلدنا الحبيب، حين تُمسك جهاز التحكم عن بعد وتقلب القنوات الوطنية، تشعر وكأنك دخلت مطعماً فخماً يقدّم لك قائمة طعام طويلة… مليئة بالهواء. برامج مطبوخة على عجل، مواضيع بلا توابل، حوارات لا تُقنع حتى أصحابها، وضيوف يظهرون معمرين الجوقة في هذه القناة أو تلك بنفس النَفَس وبنفس لغة الخشب… وكأنهم موظفون في وزارة الكلام بلا معنى.

الإعلام المغربي، أو على الأقل جزءٌ كبير منه، يشبه إلى حد بعيد تلك العلبة الفارغة التي تلمع من الخارج وتحدث ضجيجًا حين ترجّها، لكنك حين تفتحها… لا تجد شيئًا. مجرد تكرار، ضجيج، و”ترندات” مستوردة من تطبيقات الفيديو السريع، لا من واقعنا اليومي. كل هذا تحت شعار: “إعطاء الكلمة للمواطن” بينما المواطن الحقيقي لا يُشاهد، لا يُسمع، ولا يُؤخذ برأيه، إلا إذا كان يمثل صورة كاريكاتورية عن “الشعب” تصلح للمزايدة أو الضحك الفارغ.

ولأن المواطن “يستحق إعلامًا يليق به” – كما يقولون في البلاغات الرسمية- فقد تم تسليمه في المقابل وجبة من الهراء المتنكر في هيئة برامج: كاميرا خفية بلا خفة، مسلسلات تعيش في المغرب، لكن لا تشبه المغرب، وحوارات سياسية مسالمة كأنها جلسات صلح عائلية بين أطراف متفقة أصلًا على ألا تقول شيئًا.

والكارثة ليست فقط في الرداءة، بل في إدمان الرداءة. صار الإعلام يبحث عن أكثر الأشخاص جدلًا، لا الأكثر كفاءة. عن من يعيد نفس الكلام، لا من يشرح أفضل. عن اللقطة، لا العمق. والناس، وقد تعبوا من البحث عن محتوى يلامسهم، استسلموا لهذه الوجبة الباردة، يُشاهدونها كل ليلة… وهم يعلمون أن لا شيء فيها يُشبع أو يُفيد، لكنهم لا يملكون غيرها، مثل سجين يلعق غطاء علبة فارغة.

وحين يُطرح السؤال القديم المتجدد: “أين النقاش الحقيقي؟”، يُردّ عليه بجوقة من البرامج الترفيهية، وتقارير خفيفة عن إنجازات وهمية، وتكرار لأخبار عاجلة جدًا، لكنها لا تغيّر شيئًا في مجرى الحياة اليومية للناس. لا أحد يريد أن يناقش الثقل الحقيقي: المدرسة العمومية، المستشفى المتهالك، الرشوة، العنف، البطالة، ولا حتى أسباب الغضب الصامت.

ربما لأنه لا يُراد لهذا الغضب أن يتحول إلى رأي… أو إلى موقف.

الإعلام المغربي، في نسخته الحالية، لا ينقل الواقع، بل يصنع واقعًا بديلًا، مريحًا للسلطة، ومُطمئنًا للمؤسسات، ومُخدرًا للجمهور. واقع يقول لك: “كل شيء بخير، تابع برنامج الطهي واستمتع بحلقة الرقص”، حتى لو كنت تقف في طابور طويل في المستشفى بطفل مريض، أو تحاول عبثًا فهم فاتورة ماء أغلى من البحر.

وفي ظل هذا الانفصال بين الشاشة والشارع، يبقى السؤال الحارق:
هل الإعلام المغربي يعيش أزمة ضمير… أم أنه ببساطة لم يتربَّ على وجوده أصلًا؟

ربما الجواب نجده في الحلقة القادمة… أو لا نجد شيئًا كالمعتاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.