الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

الوزير المحتمل… والمقال الافتتاحي المحتمل

ضربة قلم

حين لم يظفر يونس مجاهد بالمقعد الوزاري خلال الأسبوع الأول من أبريل 2017، لم يُخفِ خيبة الأمل وراء عبارات دبلوماسية، بل اختار أن يترجمها سياسياً في افتتاحية نشرها بجريدة حزبه، وجّه فيها انتقادات حادة إلى حكومة سعد الدين العثماني، معتبراً أن من يرفض منطق التحالفات ويصر على الهيمنة السياسية عليه أن يراجع حساباته، وأن الحكومة ليست برنامج حزب واحد، بل ثمرة ائتلاف يفرض على جميع مكوناته قدراً من التواضع والواقعية.

ولا أحد يجادل في أن من حق أي سياسي أو كاتب أن يراجع مواقفه أو يطور أفكاره، فالفكر ليس حجراً، والسياسة ليست عقيدة جامدة. لكن المشكلة، تبدأ عندما يصبح المنصب هو المعيار الوحيد لتحديد الاتجاه، وعندما تتحول البوصلة من المبادئ إلى الكراسي، فيتغير الخطاب، كلما تغيرت احتمالات الجلوس حول طاولة السلطة.

وهنا لا يعود الأمر مجرد مراجعة فكرية، بل يتحول إلى رياضة سياسية قائمة بذاتها، عنوانها: “كيف تتحدث بما يناسب المرحلة، لا بما تؤمن به.” فكلما اقترب تشكيل حكومة جديدة، أو لوّح تعديل وزاري في الأفق، بدأ موسم إعادة تدوير المواقف، وتلميع الخطابات، وصقل المفردات، وكأن بعضهم يعيش دائماً بحقيبة سفر سياسية جاهزة، في انتظار مكالمة، قد تأتي… وقد لا تأتي.

إنها مملكة الانتظار بامتياز. مملكة لا يُقاس فيها الطموح بما قدمه صاحبه للوطن، ولا بما راكمه من أفكار أو إنجازات، وإنما بقدرته على الوقوف طويلاً أمام باب السلطة، دون أن يفقد الأمل. هناك يصبح الصبر فضيلة سياسية، والمرونة عقيدة، وتبديل المواقف فناً قائماً بذاته.

ولذلك، لم يعد المواطن يندهش، عندما يقرأ اليوم افتتاحية تمجد التوافق، ثم يجد صاحبها غداً يهاجم التوافق نفسه، إذا تبدلت موازين القوى، أو العكس. فالمشكلة ليست في تغيير الرأي عندما تتغير الوقائع، بل في تغيير الرأي، كلما تغيرت فرص الصعود.

قد تكون الذاكرة السياسية قصيرة عند البعض، لكن الأرشيف لا يعاني من ضعف الذاكرة. فهو يحتفظ بالمقالات، والخطب، والتصريحات، ويضعها جنباً إلى جنب، تاركاً للقارئ أن يكتشف وحده المسافة بين الأمس واليوم، وبين القناعة والفرصة، وبين المبدأ والمنصب.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نريد مسؤولين يصنعون المواقف ثم يدافعون عنها مهما كان الثمن، أم نريد مواقف تُفصل على مقاس المسؤولين المحتملين؟ وهل ما تزال بعض الأقلام، تكتب انطلاقاً من قناعاتها، أم أنها تكتب وهي تنظر، بين فقرة وأخرى، إلى الطريق المؤدية نحو مبنى الحكومة، علّ موكباً رسمياً يتوقف ذات يوم أمام بابها؟

لكن يبدو أن مدرسة “الانتظار السياسي” ما تزال تخرج دفعات جديدة.

فاليوم أيضاً، يخيّل إليك أن هناك من يقف عند قارعة الطريق، لا يحمل حقيبة سفر، بل يحمل حقيبة وزارية في مخيلته، يراقب الأفق أكثر، مما يراقب الواقع، ويحسب أن الحافلة الحكومية القادمة، لا بد أن تتوقف عنده يوماً ما.

في هذا الانتظار الطويل، تتحول الكلمات إلى استثمار، والمواقف إلى أوراق اعتماد، والافتتاحيات إلى طلبات توظيف غير معلنة، حتى وإن غُلِّفت بلغة الخشب. فلا قيمة للثبات على الرأي، إذا كان قد يبعد صاحبه عن المقعد، ولا بأس من تبديل البوصلة، كلما تبدلت الرياح. المهم أن تبقى واقفاً أمام باب الحكومة، تلوح لها بابتسامة دائمة، وكأنك تقول: “أنا هنا… لم أغادر الرصيف بعد، وما زلت أنتظر الحافلة القادمة.

هنا، نتوقف قليلاً عند نموذج يتكرر كثيراً في الحياة السياسية والإعلامية؛ نموذج ذلك الذي يتقن فن الظهور بمظهر صاحب “حسن السيرة”، بينما لا يرى في المبادئ سوى وسائل مؤقتة للعبور. يكتب عن تكافؤ الفرص رغم أنه ظل يهرول وراء تشغيل أقرب الناس إليه، حيث لا كفاءة ولا هم يحزنون، بل إنه يتحدث عن الأخلاق ما دامت لا تتعارض مع حساباته، ويملأ الصفحات بمفردات النزاهة والاستقلالية، لكنه لا يتردد في إعادة ترتيب قاموسه كله، إذا لاح في الأفق احتمال منصب أو امتياز. إنه من أولئك الذين لا يغيرون أفكارهم، لأن الوقائع تغيرت، بل لأن البوصلة اتجهت نحو باب جديد.

هذا النموذج لا يقيس النجاح بما يتركه من أثر في المجتمع، بل بما يقترب منه من أصحاب “الهمة”، ممن سبق أن كلفوه رفقة متقاعد، بتأسيس منبر إلكتروني، تابع للمخزن، إلا أن المشروع مات في مخاضه. لذلك، أصبح “براحا” طويل الأجل، حيث تصبح المواقف عنده أسهماً ترتفع، وتنخفض بحسب سوق السياسة، أما الذاكرة العامة، فلا تدخل في حساباته، لأنه يراهن دائماً على أن الناس ينسون، بينما ينسى هو أن الأرشيف لا ينسى، وأن المقالات، مثل الصور، تظل شاهدة على المسافة بين ما قيل بالأمس وما يُقال اليوم.

إنها سياسة الأرصفة. بعضهم لا يصنع الحدث، بل ينتظر أن يصنعه له تعديل حكومي. يغيّر نبرة صوته، ويخفف من حدة مفرداته، ويعيد ترتيب قاموسه السياسي، كلما سرت شائعة عن قرب تشكيل حكومة، أو تعديل وزاري، وكأن الريح لا تحرك الأشجار فقط، بل تحرك أيضاً القناعات.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي: هل نريد مسؤولين تصنعهم مواقفهم، أم مواقف تُفصَّل على مقاس المسؤولين المحتملين؟ وهل أصبحت بعض الأقلام تكتب ما تؤمن به، أم ما تعتقد أنه قد يقرّبها من المقعد الذي ما زالت تنتظره في حافلة الحكومة القادمة؟ لقد أصبح بعض “الكتّاب” أسرى لغة الخشب؛ لغة لا تقول شيئاً بقدر ما تحرص على ألا تُغضب أحداً، وتُكثر من المفردات حتى تُخفي فراغ المعنى. إنها اللغة التي يختبئ خلفها أولئك الذين يهرولون وراء المواقع قبل المبادئ، ويحسبون أن تغيير النبرة، يكفي لتغيير التاريخ. ومن هذه الطينة، خرج دائماً “المهرولون” الذين سخر منهم الراحل نزار قباني، أولئك الذين ظلوا يهرولون مع التطبيع مع السلطة ومع الانتهازية، والذين كانت خطاهم أسرع من قناعاتهم، وكانت عيونهم معلقة بالكراسي أكثر من تعلقها بأوجاع الناس. أما التاريخ، فلا يحفظ أسماء الذين هرولوا، بقدر ما يحفظ أسماء الذين وقفوا، حتى وإن دفعوا ثمن مواقفهم غالياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.