الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

الوزير برادة يُغضب سيبويه في قبره

ضربة قلم

أوه، وزير التعليم محمد برادة… حفظه الله من ألسنة النحويين قبل أن يحفظ أبناءنا من الامتحانات. خرج علينا في فيديو انتشر كالنار في هشيم يابس، يتمنى فيه النجاح والتوفيق “لأبنائنا وأبناتنا”. نعم، قالها هكذا، دون أن يرتجف له جفن، وكأنه لم يسمع في حياته بسيبويه، ولا بعلم النحو، ولا حتى ببرنامج تعليمي واحد، ولو من باب الفضول.

“أبنائنا وأبناتنا”، هكذا جمع الوزير بين قوسين نحويين لا يلتقيان. كلمة “أبناتنا” تلك، اخترعها كما تُخترع النكات الثقيلة في الاجتماعات الرسمية. والحقيقة أن الكلمة لو رُفعت إلى مجمع اللغة العربية، لردّها المجمع من على باب القاعة مع اعتذار مهذب وكوب شاي مُرّ.

يبدو أن السيد الوزير، رعاه الله وسدّد خطاه (نحو باب الخروج إن استمر هذا الأداء)، أراد أن يكون شاملاً في خطابه. لكن ما هكذا تُورد اللغة يا وزير. اللغة العربية، يا سيدي، لا تُدار بمنطق “نزيد ألف وتاء في الآخر وانتهى الكلام”. هذه ليست وصفة طبخ. سيبويه، ذلك الرجل النحوي الذي قضى عمره بين الكسرة والضمة، بين المرفوعات والمنصوبات، عاد إلى قبره وطلب التحويل إلى قسم الجيولوجيا بعد سماعه هذه الجملة، علّه يجد في الصخور ما هو ألين من حال النحو في زمننا.

“أبناتنا” ليست حتى زلّة لسان؛ إنها كارثة نحوية ذات أبعاد تعليمية وثقافية واجتماعية. كيف نطمئن على مستقبل التعليم إذا كان رأس الهرم يحرّف في اللغة كما يُحرّف العطار وصفته حين ينفد منه الزعتر؟ أيُّ معجم يمكنه أن يحتمل هذا الابتكار؟ حتى غوغل، لو سألته عن “أبناتنا”، لردّ عليك باقتراح مهذب: “هل تقصد: بناتنا؟” وهو محق، فغوغل صار على دراية أكثر من بعض الوزراء.

تخيلوا الطلبة في الفصول، وهم يتلقّون دروس النحو من أساتذة يحاولون التفريق بين المبتدأ والخبر، بينما الوزير يزرع في أذهانهم كلمات لا ذِكر لها لا في “لسان العرب” ولا في “تاج العروس”، ولا حتى في دفاتر التعبير الإنشائي للتلاميذ الكسالى.

يا سادة، “أبناتنا” ليست مجرد خطأ عابر، إنها بيان رسمي من وزارة التعليم يُعلن فيه التمرّد على قواعد اللغة، ويدشّن عهداً جديداً حيث لا فاعل ولا مفعول، بل كلمات تتطاير في الهواء كالعصافير التائهة. أما سيبويه، فعلى الأرجح قرر أن يُبعث من قبره ليعيد النظر في كتابه، أو ليؤلف جزءاً جديداً بعنوان: “النكبات النحوية في القرن الواحد والعشرين”.

في الختام، لا يسعنا إلا أن نرفع أيدينا، لا للدعاء، بل لحماية آذاننا من التصريحات القادمة. فإن كانت هذه البداية، فربما نسمع قريباً عن “أخواتنا وأخوانيننا”، أو “مدارسنا ومدارسيننا”. الله وحده يعلم إلى أين نحن ذاهبون… فقط، رجاءً، لا تُخبروا الخليل بن أحمد، فإنه يعاني من الضغط.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.