
عبد الإله بوسيف
في زمنٍ ترتفع فيه حرارة النقاش السياسي وتشتد فيه حدة الاصطفاف، يجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط في ظاهره، عميق في جوهره: لمن يكون الانتماء أولًا؟ للوطن أم للحزب؟ لم يعد هذا السؤال حكرًا على النخب أو المنابر الفكرية، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية، يتسلل إلى النقاشات العائلية، ويطغى على مواقع التواصل، ويؤثر في طريقة فهمنا للأحداث ومواقفنا منها.
غير أن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن الانتماء للوطن يظل الأساس الذي لا يمكن تجاوزه أو استبداله. فالوطن ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا خطابًا يُستهلك في الحملات، بل هو سلوك يومي يتجلى في احترام القانون، والحفاظ على الممتلكات العامة، والمساهمة في الإنتاج، والعمل على استقرار المجتمع ووحدته. إنه الإطار الجامع الذي يمنح للحقوق معناها، وللواجبات قيمتها.
فالولاء الوطني لا يُقاس بحدة الخطاب ولا بكثرة الشعارات، بل بمدى التزام الفرد بخدمة الصالح العام، حتى في أبسط التفاصيل. هو شعور عميق يجعل المواطن يرى في نجاح بلده نجاحًا له، وفي أزماته مسؤولية مشتركة تتطلب المساهمة لا المزايدة.
في المقابل، يبقى العمل الحزبي ضرورة لا غنى عنها في أي نظام ديمقراطي سليم. فالأحزاب تمثل فضاءات للتعبير عن الرأي، ومنصات لتنظيم الاختلاف، وأدوات لاقتراح البدائل وصياغة المشاريع. ومن خلالها يُمارس المواطن حقه في المشاركة السياسية، ويُسهم في توجيه القرار العام.
لكن هذا الدور الإيجابي يفقد معناه حين يتحول الانتماء الحزبي إلى تعصب أعمى، يُقدَّم فيه الحزب على الوطن، ويُختزل فيه الصالح العام في مصلحة تنظيم أو تيار. عندها، يصبح النقاش السياسي صراعًا، والاختلاف خصومة، ويتحول الفضاء العام إلى ساحة توتر بدل أن يكون مجالًا للحوار والتكامل.
الفرق بين الانتماء للوطن والانتماء للحزب واضح: الأول ثابت وجامع، والثاني نسبي ومتغير. الوطن يسع الجميع، أما الحزب فيمثل رؤية من بين رؤى متعددة. لذلك، فإن الخلل يبدأ حين تختلط الحدود، ويُرفع الحزب إلى مرتبة الوطن، أو يُختزل الوطن في حزب.
المواطن الواعي هو من يدرك هذه المعادلة: يدعم حزبه حين يخدم المصلحة العامة، وينتقده حين يحيد عنها، دون أن يفقد بوصلته الوطنية. فالحزب وسيلة للإصلاح، وليس بديلًا عن الوطن، ولا وصيًا عليه.
إن تحقيق التوازن بين الولاء الوطني والمشاركة الحزبية هو الشرط الأساسي لاستقرار أي مجتمع. فعندما تُقدَّم مصلحة الوطن على كل اعتبار، يتحول التعدد السياسي إلى مصدر قوة، وتصبح المنافسة الحزبية حافزًا لتحسين الأداء، لا وقودًا للصراعات.
أما حين يغيب هذا التوازن، فإن النتيجة تكون استقطابًا حادًا، وتآكلًا في الثقة، وانقسامًا يهدد تماسك المجتمع. وهو ما يجعل من ترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل وقبول الاختلاف ضرورة وطنية، لا مجرد خيار فكري.
ولا يمكن بناء هذا الوعي دون دور فعّال للتربية والإعلام. فالمدرسة مطالبة بغرس قيم المواطنة، والأسرة مسؤولة عن ترسيخ ثقافة الحوار، والإعلام مدعو إلى الارتقاء بالنقاش العمومي بعيدًا عن الإثارة والتحريض. فوعي المواطن هو خط الدفاع الأول عن استقرار الوطن.
في النهاية، الأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالوعي والسلوك. وحين يكون الوطن هو البوصلة، يصبح الاختلاف السياسي ثراءً لا تهديدًا، وتتحول الأحزاب إلى أدوات بناء لا معاول هدم. قد نختلف في البرامج والرؤى، لكننا نتفق على شيء واحد: أن الوطن أكبر من الجميع، وأن خدمته مسؤولية مشتركة لا تُختزل في حزب ولا تُحتكر من طرف أحد.




