
عبد الإله بوسيف/ ألمانيا
سنغادره يومًا…
ليس لأن الطرق انتهت، بل لأن أعمارنا هي التي تتعب أولًا.
سنمشي بعيدًا، خطوةً بعد خطوة،
بينما يبقى الوطن واقفًا في مكانه
كأبٍ لا يعرف كيف يلوّح كثيرًا.
سنتركه، كما تُترك الرسائل غير المكتملة،
وكما تُترك الأغنيات عند آخر نغمةٍ مبحوحة،
وكما يُترك الضوء مشتعلاً في غرفةٍ
لن نعود إليها قبل الفجر.
سنترك أبوابًا حفظت أصوات مفاتيحنا،
وجدرانًا تعرف أسرارنا، أكثر مما نعرفها نحن،
وأسماءً عالقةً على صناديق البريد
كأنها تنتظر رسالةً لن تصل.
سنترك الشوارع التي حفظت وزن خطواتنا،
والأرصفة التي تعثّرنا فوقها ونحن نتعلّم الوقوف،
والأشجار التي رأتنا نكبر دون أن تتحرّك.
سنترك مقاعد المدرسة
وأول خوفٍ ظننّاه يومًا فتحًا عظيمًا،
وسبّوراتٍ ما زال الطباشير فيها
يذكر ارتباك أصابعنا.
سنترك المقاهي التي خبّأت ضحكاتنا في البخار،
وأحلامًا كانت أكبر من جيوبنا،
وأحاديث ظننّا أنها ستغيّر العالم،
ثم اكتشفنا لاحقًا
أنها غيّرتنا نحن فقط.
سنترك نوافذ كانت ترى أحلامنا قبل أن نراها،
وشرفاتٍ تعرف عدد النجوم التي عدَدناها،
وعدد الأمنيات التي ضاعت قبل أن تكتمل.
سنترك الأزقة التي كانت تضيق بنا كلما كبرنا،
وتتّسع بنا كلما ضاقت الدنيا.
سنترك المخبز الذي كان يعرف جوع الصباح،
والبقالة التي كانت تؤجّل الحساب إلى نهاية الشهر،
والحارس الذي كان يبتسم لنا دون سبب،
كأنه يعرف أننا سنرحل يومًا.
سنترك قبورًا سنسأل عنها كثيرًا
ثم نصمت طويلًا،
لأن الصمت وحده يعرف كيف يزور الغائبين.
سنترك وجوهًا ستشيخ بعدنا أو قبلنا،
وأصواتًا ستبحث عن أسمائنا في الهاتف
ثم تتذكّر فجأة
أن المسافات صارت أكبر من الحنين.
سنترك الوطن كما يترك البحر أثر الملح على الجسد:
لا يُرى… لكنه لا يختفي.
وسيمرّ بعدنا أطفالٌ لا يعرفون شيئًا عن خطواتنا،
سيضحكون في الأماكن نفسها،
ويقعون في الحب للمرة الأولى تحت السماء نفسها.
سيظنون أن الوطن وُلد معهم،
وأن الشوارع لم تحفظ أسماءً قبل أسمائهم.
وهذا أجمل ما في الأمر:
أننا سنغيب
كي يتمكّن غيرنا من الحضور.
يا وطنًا سنتركه خلفنا،
خذ من أعمارنا ما يكفي لتبقى شابًا،
ومن تعبنا ما يكفي لتبقى واقفًا،
ومن أحلامنا ما يكفي لتبدأ أحلامًا لا تشبهنا.
وإن سألوا عنا بعد زمنٍ طويل،
بعد أن تتبدّل الوجوه والأسماء واللافتات،
قل لهم بهدوءٍ يشبه الغروب:
مرّوا من هنا…
وتركوا قلوبهم على العتبات.




