“الويفي البلدي”: حين يصبح الإنترنت سلطة محلية!

ضربة قلم
في قرية صغيرة نواحي المغرب العميق، لم تعد الانتخابات تفرز رؤساء جماعات فقط، بل أصبح لكل حي “مسؤول عن الويفي”، ذاك الكائن الغامض الذي يملك كلمة السر، ويقرر متى يُفتح الباب نحو العالم، ومتى يُغلق… لأسباب تقنية طبعًا، أو نزولا عند تعليمات زوجته.
في هذه القرى، لم يعد الحاكم من يمتلك السلطة، ولا المقدم من يطرق الباب، بل “مول الويفي” من يُحرّك دواليب الحياة الرقمية. إنه المسؤول عن مستقبل أبناء الحي في يوتيوب، وعن مستقبل بنات الحي في تيك توك، وعن مستقبل الشيوخ في الواتساب، حيث يتبادلون أدعية الصباح وصور الحمام الأبيض.
مقهى الإنترنت في خبر كان، والمكتبات صارت متاحف مغلقة، أما المقاهي فقد انقسمت بين من يعرض “الويفي فابور” ومن يفرض على الزبون طلب “كابتشينو” لا يقل ثمنه عن ثمن تعبئة 10 جيغا.
لكن المصيبة لا تقف عند الويفي، بل في “تحكمه” في العلاقات الإنسانية. تخاصمت عائلات فقط لأن أحد أفرادها لم يُعط كلمة السر لابن خالته. وقُطعت زيارات الأرحام لأن “الويفي فيه بزاف ديال الناس وخاصنا نقصّو”. حتى الخطوبة لم تسلم، إذ بات أول شرط عند كثير من البنات: “عندك ويفي؟ وشنو الصبيب؟”.
وفي الأحياء الشعبية، هناك مفاوضات تشبه مؤتمرات القمة. مجموعة أطفال يمسكون بجهاز لوحي متهالك، ويقفون تحت نافذة “مول الويفي”، يطلبون منه بكل لغات الأرض:
– “عافاك خونا غير ساعة!”
– “راني باغي نحمل شي حاجة ديال المدرسة!” (وهو يقصد طبعا لعبة مجانية).
أما إذا مرض “مول الويفي”، فترى الجميع يحمل له الدواء والدعاء والحريرة في رمضان، ليس حبًّا في وجهه، بل خوفًا من أن يموت ويأخذ كلمة السر معه إلى القبر.
والغريب أن هذه الظاهرة انتقلت حتى إلى بعض الإدارات. الموظف لا يعرف شيئًا عن المعاملات، لكنه يعرف جيدًا متى “كيطيح الويفي” ومتى “كيطلع”. أما الجواب الجاهز لكل مواطن فقد بات هو: “سير حتى يشعل الويفي عاد رجع!”
يا سادة، لقد تحول “الويفي” إلى نوع جديد من السلطة… سلطة غير منتخبة، لا تعرف الدستور، لكنها تفرض قانونها اليومي على الجميع: من أراد المعرفة، الفيديو، الخبر، أو حتى رسالة حب… فليطلب الإذن أولًا من “مول الويفي”.
أما الدولة، فلا داعي للحديث عن رقمنة خدماتها، ما دام الموظف لا يتوفر على صبيب كافٍ لتحريك الصفحة الرئيسية.
في انتظار أن تعلن الجماعات المحلية عن مباريات لتوظيف “تقنيي ويفي من الدرجة الممتازة”، دعونا نتأمل في هذا الوطن الذي بات يقف على زر التشغيل والإطفاء في “راوتر صيني”، يقرر متى نكون على اتصال بالعالم، ومتى نعود إلى حياتنا البدائية… حيث تُهمَسُ الأخبارُ في الآذان، وتُعرضُ الدراما على خشبة السوق الأسبوعي بلا إخراج ولا مونتاج!




