الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

اليمين المتطرف في أوروبا: هل نعيش إعادة إنتاج للفاشية؟

ضربة قلم

مقدمة

منذ سنوات، تتصاعد نبرة الخطاب اليميني المتطرف في أوروبا، إلى درجة جعلت مراقبين ومفكرين يتساءلون إن كنا أمام نسخة جديدة من الفاشية التي عرفتها القارة في ثلاثينيات القرن الماضي. ورغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية، إلا أن التكرار الملحوظ لبعض السمات – القومية المتشددة، كراهية الآخر، العداء للمؤسسات – يجعل المقارنة مشروعة. فهل نحن بالفعل بصدد إعادة إنتاج للفاشية أم أمام ظاهرة مختلفة تتكيّف مع روح العصر؟

أولًا: السياق الأوروبي المعاصر

صعود اليمين المتطرف لم يأتِ من فراغ، بل من رحم أزمات متتالية:

  • الأزمة الاقتصادية والمالية منذ 2008 وما خلّفته من بطالة وانكماش.

  • أزمة اللاجئين والهجرة، خصوصًا مع موجات القادمين من سوريا وأفريقيا.

  • صدمة جائحة كوفيد-19 وما عمّقته من انعدام الثقة في النخب.

  • تداعيات حرب أوكرانيا وأزمة الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة.

في ظل هذه الظروف، بدا خطاب “استعادة السيطرة” جذابًا لشرائح واسعة من المواطنين الباحثين عن الأمن والهُوية واليقين.

ثانيًا: أوجه الشبه مع الفاشية الكلاسيكية

  1. القومية المفرطة: تكرار الدعوة إلى “الأمة أولًا”، والتمييز بين “الأصليين” و“الدخلاء”.

  2. العداء للمؤسسات: التشكيك في فعالية الاتحاد الأوروبي، واتهام البرلمانات الوطنية بالعجز والفساد.

  3. صناعة كبش فداء: تحميل المهاجرين والمسلمين أو حتى البيروقراطية الأوروبية مسؤولية الأزمات.

  4. الكاريزما السياسية: بروز زعماء يتحدثون بلغة الشعب المباشرة ويقدمون أنفسهم كمنقذين، تمامًا كما فعل موسوليني وهتلر في زمنهما.

ثالثًا: أوجه الاختلاف

مع ذلك، ثمة فوارق مهمة:

  • لم نعد نرى مشروعًا واضحًا للتوسع العسكري أو الغزو باسم “التفوق العرقي”.

  • اليمين المتطرف اليوم يشارك في اللعبة الديمقراطية، عبر صناديق الاقتراع والبرلمانات، بدل الانقلابات العسكرية.

  • أدوات الدعاية تغيّرت: من الإذاعات والصحف الموجهة إلى وسائل التواصل الاجتماعي وخوارزميات الاستقطاب الرقمي.

هذه الفوارق تجعلنا نتحدث عن “فاشية جديدة” أو “فاشية ناعمة” أكثر منها نسخة طبق الأصل من الماضي.

رابعًا: الدلالات والمخاطر

الخطر الأكبر لا يكمن في شعارات الحملات الانتخابية بقدر ما يكمن في التطبيع. حين يصبح خطاب الكراهية مقبولًا في الساحات السياسية، فإنه يتحوّل تدريجيًا إلى سياسات ملموسة:

  • قيود متزايدة على اللجوء والهجرة.

  • تضييق على الحريات الفردية والإعلام المستقل.

  • تصاعد سياسات التمييز ضد الأقليات، بما يعيد أوروبا خطوات إلى الوراء في مسارها الديمقراطي.

خامسًا: إلى أين؟

يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمثل هذا المد اليميني المتطرف مجرد رد فعل ظرفي على أزمات متلاحقة، أم أننا أمام تحوّل عميق يعيد صياغة الخريطة السياسية الأوروبية لعقود قادمة؟
التاريخ يذكّرنا بأن الفاشية لم تنشأ بين ليلة وضحاها، بل تسللت تدريجيًا عبر أزمات اقتصادية وخطابات تعبئة جماهيرية، قبل أن تتحول إلى آلة قمع وحرب. واليوم، قد لا تكون أوروبا على أبواب تكرار السيناريو ذاته، لكنها بلا شك تواجه تحديًا وجوديًا: كيف تحافظ على قيم الديمقراطية والانفتاح في وجه المد القومي المتطرف؟

خاتمة

قد لا نكون أمام “إعادة إنتاج” كاملة للفاشية الكلاسيكية، لكننا نعيش بلا شك زمنًا يذكّرنا بظلالها الثقيلة. أوروبا التي شُيّدت على أنقاض الحرب العالمية الثانية تجد نفسها اليوم أمام امتحان جديد: إما أن تتصالح مع تنوعها وتدافع عن نموذجها الديمقراطي، أو أن تنزلق تدريجيًا نحو نسخة محدثة من الاستبداد القومي، أقل عنفًا من الماضي ربما، لكنها لا تقل خطورة على مستقبل القارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.