مجتمع

امتحانات نهاية الابتدائي بالمغرب: عبء ثقيل في زمن الإصلاح التربوي المؤجل


ضربة قلم

في مقالة تحليلية دقيقة، نشرها الدكتور سعيد جميل في بعض الصحف الوطنية، ويناقش فيها إحدى المفارقات العميقة في النظام التعليمي المغربي: الامتحانات الجهوية في نهاية المرحلة الابتدائية. فرغم أن هذا الامتحان لا يُشكّل سوى 25٪ من المعدل العام، إلا أنه يُثقل كاهل التلاميذ والمدرسين والإدارة، ويستنزف موارد بشرية ومالية ضخمة، دون أن يُفضي إلى نتائج تعليمية متينة أو تراكم معرفي مستدام.

يرى الكاتب أن الطفل في سنّ الابتدائي غير مؤهّل نفسيًا ولا معرفيًا للخضوع لهذا النوع من التقييم، الذي يُكرّس الخوف والارتباك بدل التحفيز والتعلّم. المدرسة تتحوّل إلى فضاء للاستعداد للامتحان، عوض أن تكون فضاء للحياة والاكتشاف والنمو المتوازن.

وبمنهج مقارن، يستعرض الكاتب تجارب دولية ناجحة (فنلندا، هولندا، فرنسا…) تخلّت عن هذه الامتحانات، واعتمدت بدلًا منها نُظم تقييم مستمر تراعي الفروق الفردية وتدعم التعلم الذاتي.

1. امتحانات مكلفة بفعالية محدودة

الدكتور سعيد يُسلّط الضوء على التناقض بين الأثر المحدود لهذا الامتحان في المعدل العام، والكلفة المالية واللوجستية العالية لتدبيره، داعيًا إلى إعادة تقييم جدوائية هذه الممارسة على المستوى الوطني.

2. الضغط النفسي والتربوي

الامتحانات الموحدة تُفرز ضغطًا نفسيًا لا يُطاق بالنسبة لتلاميذ في عمر الطفولة، فيتحوّل التعلّم إلى مصدر قلق دائم، بدل أن يكون تجربة ممتعة تُنمي الفضول والخيال والتعبير.

3. أثر الامتحانات على المنظومة التعليمية

يشرح الكاتب كيف أن هاجس التحضير للامتحان بات يُسيطر على الإيقاع المدرسي، ويُبعد المدرسة عن هدفها الأساسي: بناء الكفايات والمواطنة والمعنى، فيتحوّل التعلم إلى تحصيل آني وظرفي، لا يُرسّخ المعرفة الحقيقية.

4. إرهاق الطاقم التربوي وضغط النتائج

الضغط لا يقع على التلاميذ وحدهم، بل يشمل الأساتذة أيضًا، الذين يُطالبون بمجهودات تنظيمية وإدارية لا تتناسب مع الغايات البيداغوجية، مما يُربك سير السنة الدراسية برمّتها.

5. تقييم تربوي في غياب توازن تربوي

يدعو الدكتور إلى إلغاء الامتحان الجهوي، وتعويضه بتقويم مستمر يُغني المسار التعليمي، ويرتكز على مواكبة تطور المتعلم عبر الزمن، لا محاصرته بلحظة فاصلة تُعيد إنتاج أعطاب النظام.

6. مقارنة مع التجارب الدولية

يُبرز المقال كيف تخلّت أنظمة تعليمية متقدمة عن هذا الشكل من التقييم في الابتدائي، مستبدلة إياه بمنظومات أكثر مرونة وإنصافًا، هدفها:

  • تقليل التوتر النفسي عند الأطفال.

  • تقوية أساسات التعلم بدل قياسه الظرفي.

  • تخفيف العبء المادي واللوجستي على الدولة.

8. من التقييم العقابي إلى تقييم الكفاءات

يقترح المقال بديلاً قائمًا على “تعليم الكفاءات” لا “ثقافة الامتحانات”، وهو اتجاه تشارك فيه عدة جهات وطنية ودولية مثل:

  • المركز الوطني للامتحانات والتقويم

  • المجلس الأعلى للتربية والتكوين

  • اليونسكو

  • منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية

  • البنك الدولي
    ويُشكل هذا التوجه أرضية صلبة لإعادة التفكير في أدوار المدرسة المغربية ومناهجها وتقويماتها.

9. تخفيف الضغط… وتحرير الطفولة

يركّز الدكتور في هذا المحور على حماية الطفولة من ضغط التقييمات المبكرة، معتبرًا أن المرحلة الابتدائية يجب أن تكون مخصصة لتكوين الشخصية والتفتح الذهني، لا لترسيخ منطق التصنيف والإقصاء.

ويقترح مجموعة من التدابير العملية:

  • تقويم التلميذ على مدى السنة الدراسية.

  • اعتماد مناهج مرنة تراعي الخصوصية الثقافية والسنّية.

  • تخفيض عدد المواد والواجبات والاختبارات.

  • تقليص الكلفة المادية المرتبطة بتنظيم الامتحانات.

  • الاستفادة من التجارب الدولية الرائدة.

خاتمة تحليلية: نحو مدرسة تنحاز للطفل

في نهاية مقاله، يُوجّه الدكتور سعيد جميل نداءً هادئًا لكنه حازم، يدعو فيه إلى تحوّل عميق في الفلسفة التربوية المعتمدة. لا يتعلق الأمر بإلغاء امتحان فحسب، بل بإعادة صياغة تصوّرنا للمدرسة ولعملية التعلّم ذاتها.

فمن مدرسة تُفرز وتصنّف وتقيس، إلى مدرسة ترافق وتحتضن وتُنمّي. ومن تقييم يُقصي، إلى تقييم يُضيء طريق النمو.

إن ما يقترحه المقال ليس بدعة تربوية، بل انسجام مع تحوّل عالمي يعيد للمدرسة إنسانيتها، وللمعرفة معناها، وللطفولة براءتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.