مجتمع

انتشار المختلين عقلياً في المدن المغربية: واقع يهدد الأمن والإنسانية

ضربة قلم

لم تعد أي مدينة مغربية بمنأى عن ظاهرة تؤرق المجتمع وتطرح تحديات إنسانية وصحية في الوقت نفسه، وهي انتشار الأشخاص المختلين عقلياً الذين يتجولون في الشوارع دون عناية أو إشراف طبي. هذه الظاهرة لم تعد مجرد مشكلة فردية أو محلية، بل أصبحت أزمة وطنية تعكس قصوراً في السياسات العمومية، ونقصاً فادحاً في الموارد الصحية والبشرية، وغياب استراتيجية واضحة لمعالجة هذه الفئة الهشة من المجتمع.

الواقع الحالي: مستشفيات مكتظة وخدمات متراجعة

الأجنحة المخصصة لرعاية المرضى العقليين أصبحت في كثير من الأحيان مكتظة، كما هو الحال في الجناح 36 من مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء. أما المدن الأخرى، فهي غالباً تفتقر إلى أي بنية تحتية صحية متخصصة، ولا يتوفر لديها العدد الكافي من الأطباء والممرضين أو حتى الأدوية الأساسية لعلاج الحالات الطارئة.

مستشفى الرازي بمدينة برشيد، الذي كان يشتهر تاريخياً بتقديم العلاج للمختلين عقلياً، شهد تراجعاً واضحاً في خدماته. نقص الأطر الطبية، ضيق الإمكانات، وغياب التمويل الكافي جعل منه مستشفى عاجزاً عن استقبال المرضى أو تقديم العلاج الكافي، ما يؤدي إلى خروج بعض الحالات إلى الشارع، حيث يتعرضون للمخاطر، ويشكلون في بعض الأحيان تهديداً للمجتمع، لا عن قصد منهم بل بسبب غياب الرعاية.

في بعض الحالات، يلجأ بعض المسؤولين في بعض العمالات والأقاليم إلى جمع المختلين عقلياً ونقلهم إلى مدن أخرى، دون عناية أو متابعة، في ما يمكن وصفه بـ “الترحيل القسري”، وهو ما يعكس ضعف الحس الإنساني، وانعدام المسؤولية المجتمعية، ويزيد من هشاشة الوضع لكل الأطراف: المرضى أنفسهم، والمجتمع، والمؤسسات الصحية.

أسباب الظاهرة

يمكن تلخيص أسباب هذه الظاهرة في النقاط التالية:

  1. نقص التمويل والاستثمار في الصحة النفسية والعقلية: غالبية المستشفيات والمراكز المتخصصة تعاني من شح الموارد، سواء كانت بشرية أو مادية، ما يؤدي إلى توقف الخدمات أو تقديم رعاية ناقصة.

  2. عدم التوازن الجغرافي للبنية التحتية الصحية: المدن الكبرى مثل الدار البيضاء أو الرباط تحتوي على بعض المراكز المتخصصة، بينما معظم المدن الصغرى والأقاليم تفتقر إلى أي خدمة صحية عقلية منظمة.

  3. غياب استراتيجية واضحة لإدارة الصحة العقلية: لا توجد خطة وطنية شاملة لمعالجة حالات المرض النفسي والعقلي، وتفعيل القانون رقم 13‑71 الخاص بالعلاج النفسي غير كافٍ.

  4. ترحيل المرضى أو تركهم في الشارع: بعض السلطات المحلية تلجأ إلى “حلول ترقيعية” بدلاً من معالجة المشكلة جذرياً، مما يفاقم الأزمة ويهدد السلامة العامة.

  5. وصمة المجتمع تجاه المرض العقلي: الخوف والوصمة الاجتماعية تجعل بعض الأسر والمجتمع المحلي يتجنبون التكفل بالمرضى، ما يزيد من الإقصاء والعزلة.

تأثير الظاهرة على المجتمع

هذه الأزمة لا تؤثر فقط على المرضى، بل تمتد لتشمل المجتمع ككل:

  • تهديد السلامة العامة: تجوّل المرضى دون رعاية قد يؤدي إلى حوادث أو اعتداءات غير مقصودة.

  • إجهاد النظام الصحي: زيادة الحالات في الشوارع تضغط على المستشفيات غير المجهزة وتزيد من صعوبة تقديم الخدمات الأساسية.

  • أثر نفسي واجتماعي على الأسر والمواطنين: الخوف والقلق المتواصل، خاصة في الأحياء التي تنتشر فيها هذه الحالات، يؤدي إلى تدهور شعور الأمان الاجتماعي.

  • انتهاك حقوق المرضى: ترك المرضى دون علاج مناسب أو الترحيل القسري ينتهك كرامتهم وحقوقهم الأساسية.

حلول عملية مقترحة

لمواجهة هذه الأزمة، يمكن اعتماد مجموعة من التدابير العملية والمتكاملة:

  1. إطلاق خطة طوارئ وطنية للصحة العقلية: تشمل فرقاً طبية متحركة تتعاون مع الوقاية المدنية لتقديم الدعم الفوري للمرضى في الشوارع.

  2. توسيع البنية التحتية الصحية: إنشاء وحدات مختصة في المدن والأقاليم التي تفتقر إلى مرافق صحية عقلية، وتجهيز المستشفيات الحالية بالمعدات والأدوية اللازمة.

  3. تعزيز الموارد البشرية: تكوين وتوظيف أطباء نفسيين وممرضين متخصصين في الصحة العقلية لتغطية الطلب المتزايد.

  4. تفعيل القانون رقم 13‑71 وتحديثه: ضمان حقوق المرضى، وتحديد مسؤوليات المؤسسات، ومنع أي ترحيل غير قانوني أو إهمال متعمد.

  5. حملات توعية مجتمعية: لتقليل الوصمة الاجتماعية، وتعليم المجتمع كيفية التعامل مع المرضى العقليين، ودعم أسرهم في التكفل.

  6. متابعة الحالات بطرق منتظمة: عبر سجلات وطنية تربط المستشفيات والمراكز الصحية، لضمان عدم فقدان أي مريض أو إهماله.

  7. تعاون بين وزارة الصحة والوقاية المدنية والأمن الوطني: لتنسيق التدخلات في حالات الطوارئ، وحماية المرضى والمواطنين على حد سواء.

بهذه الخطوات يمكن للمغرب أن يبدأ في معالجة هذه الأزمة الإنسانية بشكل جدي، يوازن بين حماية المجتمع، وضمان حقوق المرضى، ورفع كفاءة النظام الصحي، وإعادة كرامة المرضى المختلين عقلياً إلى مكانها الطبيعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.