انتفاضة المتقاعدين: من شيب الحكمة إلى لهب الكرامة”

ضربة قلم
فلنقلها صراحةً: المتقاعدون في المغرب يرفضون أن يكونوا مجرد رقم إضافي في جداول “الحكومات الموقرة”، يصرخون بأعلى صوتهم أن زمن الصمت قد ولى، وأن الشيخوخة لا تعني الخنوع، بل قد تعني الانفجار الأخير الذي يهزّ أركان كل سياسة ظالمة.
في خطوة غير مسبوقة، قررت الشبكة المغربية لهيآت المتقاعدين تحويل اليوم العالمي للمسنين، الأول من أكتوبر 2025، من مناسبة رمزية باهتة إلى يوم غضب ثوري أمام قبة البرلمان بالرباط. لا ورود ولا خطابات بروتوكولية، بل وقفة صاخبة تفضح الإقصاء الممنهج الذي يمارَس منذ سنوات ضد هذه الفئة، التي أعطت عمرها وجهدها للوطن، لتجد نفسها اليوم تتسول حقها في الحياة الكريمة.
المتقاعدون: من الهامش إلى الواجهة
ما الذي يدفع المتقاعدين إلى النزول للشارع؟ إنها المأساة المعيشية اليومية: معاشات هزيلة لا تكفي لشراء الدواء، أسعار تحلق في السماء، ونظام صحي مثقوب يتركهم بين براثن المرض والفقر. وكأن الدولة تقول لهم: “شكراً على خدماتكم… والآن موتوا في صمت!”
لكن هؤلاء الشيوخ قرروا أن يقلبوا الطاولة. رسالتهم واضحة: نحن لسنا مجرد أوراق صفراء تسقط من شجرة العمر، نحن جيل صنع الاستقلال، بنى المدارس، عبد الطرقات، ورفع الاقتصاد على أكتافه، فكيف يُختزل اليوم إلى عبء مالي يجب التخلص منه؟
حكومة الوهم… وازدواجية الخطاب
الشبكة، في بيانها الناري، لم تكتف بالتنديد بالوضع، بل فضحت الازدواجية الحكومية: خطابات براقة عن العدالة الاجتماعية والكرامة، وفي الواقع سياسة إقصاء وتسويف وتضليل إعلامي. الحكومة تتحدث عن “إصلاح أنظمة التقاعد”، لكنها تغض الطرف عن المتقاعدين الحاليين الذين يموتون ببطء، في حين يتم التمهيد لخوصصة ما تبقى من الخدمات الاجتماعية وتحويلها إلى غنيمة جديدة لأصحاب النفوذ.
مطالب ليست منّة
الملف المطلبي الذي رفعته الشبكة ليس خياليًا ولا تعجيزيًا، بل هو الحد الأدنى للحياة:
-
زيادة فعلية وفورية في المعاشات.
-
تعميم التغطية الصحية بلا استثناءات.
-
تحرير مؤسسات الأعمال الاجتماعية من براثن الفساد.
-
إقرار عدالة اجتماعية حقيقية، لا شعارات انتخابية جوفاء.
هذه ليست مطالب “ترف” بل حقوق طبيعية، حقوقٌ موقّعة بدماء السنين والعرق الذي سال في خدمة الوطن.
بين الأمس واليوم
أليس من العار أن اتفاقيات مبرمة منذ 2011 و2023 تظل حبرًا على ورق؟ أليس من المخزي أن تتنكر الدولة لوعودها وتستمر في سياسة “غداً سننظر في الأمر”، وكأن المتقاعد يملك ترف الانتظار؟
المتقاعد لا ينتظر، المتقاعد يعد أنفاسه، وكل تأجيل هو اغتيال بطيء لكرامته.
المعركة ليست معركة المتقاعدين وحدهم
هنا بيت القصيد: المعركة التي يخوضها المتقاعدون اليوم هي معركة المجتمع كله. من يعتقد أن الأمر يخص كبار السن فقط فهو واهم؛ لأن كل موظف شاب اليوم هو متقاعد الغد، وكل أرملة اليوم هي صورة مكررة لآلاف النساء اللواتي سيجدن أنفسهن بلا حماية غدًا.
ولهذا، فقد وجهت الشبكة نداءً صارخًا إلى القوى الديمقراطية والحقوقية، إلى النقابات، إلى كل ضمير حي: انزلوا معنا، قفوا معنا، دافعوا معنا. إنها لحظة فاصلة: إما أن نترك المتقاعدين يموتون في صمت، وإما أن نرفع معهم راية الكرامة ونكتب فصلًا جديدًا من النضال الشعبي.
ثورة الرماد
ما يحدث اليوم ليس مجرد احتجاج. إنه ثورة الرماد: رماد الشيب الذي ينهض ليحرق أوهام الحكومات. وقفة المتقاعدين أمام البرلمان ليست صورة عابرة في نشرات الأخبار، بل إنذار أخير: كفى استخفافًا، كفى عبثًا، كفى سياسةً تُقبر الإنسان وتعبد مصالح اللوبيات.
إنهم يقولون: “نحن هنا، نحن من علمناكم، من عالجناكم، من بنى بيوتكم، من حرس حدودكم، من أدار مكاتبكم، ولن نُدفن أحياءً في تقاعد بئيس.”
إنها لحظة الحقيقة: إما أن تصحو الدولة وتُعيد الاعتبار للذين صنعوا حاضرها، أو ستُسجَّل في التاريخ كمن خانوا كهولهم وأهانوا شيوخهم.
ويبقى السؤال الثوري مفتوحًا:
هل ستظل الحكومة تضع القطن في أذنيها؟ أم أن صرخة الأول من أكتوبر ستخترق الصمم وتفتح باب الكرامة؟




