
م-ص
حين تنوي الانتقام، كن طيّبًا… تبدو هذه العبارة للوهلة الأولى متناقضة، بل وربما ساذجة في نظر من اعتاد أن يربط الانتقام بالقسوة، والرد بالأذى، والقصاص بإيلام الآخر كما آلمك. لكن، إذا تأملناها بعمق، سنكتشف أنها ليست فقط حكمة، بل أسلوب حياة راقٍ، وقرار داخلي يعكس قوة نادرة لا يمتلكها الجميع.
الانتقام، في جوهره، شعور إنساني طبيعي. حين يُظلم الإنسان، أو يُخذل، أو يُهان، يتولد داخله رغبة في استعادة توازنه، في إعادة الاعتبار لنفسه. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل ننتقم؟ بل: كيف ننتقم؟
الإنسان العادي ينتقم بردّ الإساءة بمثلها، فيدخل في حلقة مفرغة من الألم المتبادل، حيث لا منتصر حقيقي، بل جراح تتكاثر وأرواح تزداد ثقلاً. أما الإنسان الواعي، فإنه يفهم أن أعظم انتقام، ليس في أن تُسقط الآخر، بل في أن ترتقي أنت فوق ما فعله.
حين تكون طيبًا في لحظة كنت قادرًا فيها على القسوة، فأنت لا تُهدي خصمك فرصة للنجاة، بل تُحاصره بمرآة أخلاقك. الطيبة هنا ليست ضعفًا، بل موقفًا متقدمًا، يربك من أساء إليك، أكثر مما يربكه رد الفعل العدواني. لأن من يسيء إليك يتوقع منك أن تنحدر إلى مستواه، أن تتشابه معه، أن تتلوث بنفس منطقه. لكن حين تفاجئه بالنبل، فأنت تسحب منه مبرراته، وتتركه وحيدًا أمام سوء فعله.
الانتقام بالطيبة، هو أن تنجح، حيث أرادوا لك السقوط، أن تبتسم حيث تمنوا لك الانكسار، أن تبني نفسك في الوقت الذي كانوا يراهنون فيه على انهيارك. هو أن تردّ على الإهانة بالكرامة، وعلى الخيانة بالاستغناء، وعلى الجحود بالتجاهل الراقي.
وهنا يكمن السر: الطيبة ليست موجهة للآخر بقدر ما هي موجهة لنفسك. أنت لا تكون طيبًا من أجلهم، بل من أجل ألا تفقد نفسك في معركة لا تستحقك. لأن أخطر ما قد يفعله بك من أساء إليك، ليس الجرح الذي تركه، بل التحول الذي قد يدفعك إليه. أن تصبح نسخة مشوهة مما تكره… وهنا تكون قد خسرت أكثر مما خسرت في البداية.
حين تنوي الانتقام، كن طيبًا… لأنك حينها تختار أن تكون أنت، لا أن تكون رد فعل. تختار أن تكتب نهايتك بيدك، لا أن يكتبها غضبك. تختار أن تغادر ساحة الصراع مرفوع الرأس، لا مثقلاً بما لا يشبهك.
الطيبة في هذا السياق ليست استسلامًا، بل سيطرة. ليست ضعفًا، بل انضباط داخلي. هي إعلان صامت بأنك أكبر من الإساءة، وأوسع من الضغينة، وأذكى من أن تُستدرج إلى معركة تُفقدك صفاءك.
وفي النهاية، سيبقى سؤال واحد معلقًا: من الذي انتصر حقًا؟
ذاك الذي ردّ الإساءة بإساءة، أم ذاك الذي حوّل الألم إلى سمو؟
الجواب لا يحتاج إلى كثير من التفكير… لأن الزمن نفسه ينحاز دائمًا لمن حافظ على إنسانيته، حتى في أصعب اللحظات.




