
ضربة قلم
لم يعد زيت الزيتون، أو كما يُحب المغاربة تسميته “زيت العود”، تلك المادة التي تزين المائدة المغربية بسخاء كما في الماضي. فخلال السنوات الأخيرة، ومع توالي مواسم الجفاف وقلة التساقطات، عرف المغرب ارتفاعًا غير مسبوق في ثمن هذا الذهب الأخضر، حتى صار الكثير من الأسر ينظرون إليه كسلعة شبه فاخرة، بعدما كان جزءًا أصيلًا من غذائهم اليومي.
شح السماء وضريبة المائدة
أثرت التغيرات المناخية بشكل مباشر على حقول الزيتون، حيث انخفضت المحاصيل إلى النصف تقريبًا في بعض المناطق. أشجار الزيتون التي كانت تعطي ثمارًا وافرة، باتت اليوم تُصارع العطش، مما انعكس على حجم الإنتاج الوطني ككل. النتيجة كانت واضحة: قلة العرض مقابل طلب مستمر، ومعادلة السوق لا ترحم.
من 50 درهمًا إلى 130 درهمًا للتر
قبل سنوات قليلة، كان المستهلك يقتني لتر زيت العود بنحو 50 درهمًا، في حين أصبح السعر اليوم يتجاوز 100 درهم في غالبية الأسواق، ويصل أحيانًا إلى 130 درهمًا أو أكثر. هذه القفزة الصاروخية في الأسعار لم تُربك فقط ميزانية الأسر، بل طرحت أيضًا أسئلة حول مستقبل هذا القطاع الزراعي الحيوي.
بين حلم الوفرة وواقع المضاربة
الارتفاع لم يكن نتيجة الجفاف وحده، بل ساهمت فيه عوامل أخرى: ارتفاع تكاليف الإنتاج، النقل والتخزين، إضافة إلى سلوكيات بعض المضاربين الذين يستغلون ضعف المراقبة لرفع الأسعار بشكل مصطنع. في المقابل، هناك من يراهن على موسم مطير يعيد الوفرة إلى السوق ويخفض السعر مجددًا إلى مستويات معقولة قد تقارب 50 درهمًا للتر، وإن كان هذا التفاؤل يبدو بعيدًا عن الواقع الحالي.
المستهلك في مرمى الأزمة
الأسر المغربية، خصوصًا محدودة الدخل، وجدت نفسها بين خيارين أحلاهما مر: إما تقليص استهلاك زيت العود لصالح زيوت نباتية أخرى أقل تكلفة، أو الضغط أكثر على ميزانية البيت من أجل الحفاظ على جزء من هذا الموروث الغذائي الذي يعد جزءًا من الهوية والثقافة الغذائية للمغاربة.
المستقبل: رهين بالسماء والسياسات
يبقى السؤال المطروح اليوم: هل يستعيد زيت العود مكانته كسيد المائدة المغربية بأسعار معقولة، أم سيظل حبيس المضاربة والتقلبات المناخية؟ المؤكد أن مستقبل هذا القطاع يتطلب رؤية واضحة، تقوم على ترشيد المياه، دعم الفلاحين الصغار، وتشديد الرقابة على السوق، حتى لا يصبح زيت الزيتون حكرًا على الميسورين، بدل أن يكون حقًا للجميع.




