انقلاب السحر على الساحر: حين حاولت وزارة العدل ترويض القضاء فانقلب عليها الدستور

ضربة قلم
في مغرب القرن الواحد والعشرين، لا تزال بعض الوزارات تعتقد أن الدستور مجرد ديكور، وأن القانون مطاط يمكن تشكيله حسب “المصلحة العليا” التي غالبًا ما تعني مصلحتها هي. وعلى رأس هؤلاء، وزارة العدل التي قررت – في لحظة حماس تشريعي – أن تكتب فصولًا جديدة من المسطرة المدنية بروح من يضع يده فوق القضاء قائلاً: “أنا المايسترو”.
مشروع القانون رقم 23.02 جاء محمّلاً بكثير من الطموحات… أو قل: كثير من نوايا السيطرة المقنّعة. لم تعد الوزارة تكتفي بأن تسير العدالة، بل أرادت أن تقودها من المقود، وتراقبها في المرآة، وتضبط سرعتها، وتقرر متى تتوقف ومتى تنعطف. والنتيجة؟ صدمة دستورية من العيار الثقيل.
خذ عندك المادة 17، جوهرة المشروع المسمومة: النيابة العامة – وهي خصم وليست قاضيًا – تُمنح سلطة الطعن في الأحكام النهائية دون أن تكون طرفًا، ودون احترام الآجال، ولمدة خمس سنوات! أي عقل قانوني هذا؟ بل أي عبث دستوري هذا؟ هل صار النظام العام مطية لكل تدخل؟ المادة ببساطة تقول: إذا لم ترُقنا الأحكام، نطعن فيها متى شئنا، وكيفما شئنا. لا قيود، لا ضوابط، فقط مزاج نيابة وسيف بطلان مسلّط.
والأجمل (أو الأسوأ)، أنها مادة فُصّلت على مقاس “الرقابة الانتقائية”، حيث يُفتح قبر الحكم القضائي كلما احتاجت النيابة أن تُنقّب عن مخالفة محتملة لـ”النظام العام”، هذا النظام الذي لا أحد يعرف له شكلًا أو تعريفًا، سوى أنه يُستخدم كعصا غليظة حين تستدعي الحاجة.
ثم تأتي المادة 84، كأنها مستوحاة من مشاهد الكاميرا الخفية: المكلف بالتبليغ يتحوّل إلى خبير نفسي وقاضٍ أسري في آنٍ واحد. يكفي أن يرى وجه شخص “يبدو” بالغًا، أو أن يسمع تصريحًا من خادمة أو ابن الجيران، حتى يعتبر أن الاستدعاء وصل. لا هوية، لا إثبات، فقط “تقدير”. نعم، التقدير… ذاك الفن السري الذي لا يملكه إلا مبعوث المحكمة الذي أصبح بين ليلة وضحاها وسيطًا روحيًا بين القانون والناس.
وحتى لا تشعر الوزارة بالوحدة في مشهد السقوط، أهدت لنفسها صلاحيات إضافية في مواد أخرى، مثل إعطاء الحق لوزير العدل في طلب الإحالة بسبب “الشك المشروع” في القضاة. أي أن الوزير، بصفته التنفيذية، يمكنه أن يرفع حاجبه ويقول: “أشك!”، فتتحرك آلة القضاء لتُغيّر مسار الدعوى.
لكن ما لم تكن الوزارة تتوقعه، هو أن الخصم هنا كان الدستور نفسه. نعم، الدستور الذي طالما تغنوا به في الخطب الرسمية، قرر أن يستفيق هذه المرة ويقول: “كفى عبثًا”. فصدر القرار التاريخي من المحكمة الدستورية، قاضيًا بعدم دستورية هذه المواد، واحدة تلو الأخرى، كمن ينزع مساميرًا من آلة تم تركيبها على عجل… وبدون تعليمات سلامة.
سقط مشروع القانون في حفرة حفرها بيده. فالوزارة التي حاولت أن تتغوّل، تجد نفسها اليوم محاصَرة بخطوط حمراء لم ترسمها المعارضة، ولا الصحافة، بل رسمها الدستور الذي صادقت عليه الأمة. وهكذا تحوّل مشهد التشريع إلى مسرحية سوداء: المشرّع يهاجم القضاء، والمحكمة ترد عليه باسم القانون.
باختصار، هذا ليس مجرد قرار قانوني… هذا درس بليغ في حدود السلطة، ومشهد ساخر من مشاهد التاريخ التشريعي المغربي:
وزارة وضعت الخطة المحكمة، فصفعها الدستور بحكم المحكمة.




