بابا نويل أو أخنوش يرحل: الإعلاميون المنتفعون في مواجهة الفراغ

ضربة قلم
حين يأتي خبر رحيل بابا نويل – أو لنقل النسخة المغربية الرمزية لأخنوش – عن الحزب ورئاسة الحكمة، لا تكون المفاجأة لأبناء الشعب فقط، بل لأولئك الذين عاشوا طيلة السنوات الماضية على وقع حكاياته الإعلامية، وتوجيهاته غير المباشرة، ومزاجه السياسي الذي كان يفتح لهم أبواب الرعاية والفرص.
الإعلاميون المنتفعون، الذين اعتادوا على كل خبر أو تصريح يُعطيهم مساحة للتألق، يجدون أنفسهم اليوم أمام فراغ مزدوج: فراغ الزعيم الذي لطالما وفّر لهم “مادة إعلامية جاهزة”، وفراغ الجمهور الذي أصبح يترقبهم ليتابعوه، لا هو ولا أخبار الرجل. هؤلاء لم يتعودوا على كتابة الأخبار بلا توجيه، أو تحليل الأحداث بلا خط سياسي مؤطر، وها هم الآن مضطرون للتكيف مع واقع لم يعد فيه “الرجل القوي” يعطي الأوامر أو يفتح الصناديق…
المنخرطون في الإعلام، الذين ظلوا يستفيدون من تغطيات مشاريع الرجل، من صور ولقاءات وتصريحات محسوبة، سيواجهون اليوم اختباراً حقيقياً للقدرة على الابتكار. لن تكون هناك بعد اليوم تصريحات جاهزة، ولا صور محسوبة لكل حدث، ولا عناوين تغري الصحف والمواقع، كل شيء سيكون عليهم أن يصنعوه بأنفسهم.
هنا يظهر الدرس السياسي والإعلامي معاً: الفراغ الذي يتركه الزعيم ليس مجرد تهديد للمحتوى الإعلامي، بل فرصة لاختبار الاعتماد على النفس أو الجيب الشخصي، وتحويل الإعلام من أداة تبعية إلى مساحة للمبادرة والتحليل المستقل. من كان يتبع الخط السياسي للرجل بدقة، سيكتشف أن القدرة على صياغة الرأي والتغطية الجادة، لم تعد مرهونة بشخص واحد، بل بالقدرة على ابتكار خبر يليق بالجمهور ويخدم المصلحة العامة.
وفي الوقت نفسه، الفراغ الإعلامي يفرض سؤالاً جوهرياً: هل كان الاعتماد على الرجل مجرد وسيلة للظهور، أم أن هناك خبراء فعلاً قادرون على قيادة المشهد دون توجيه خارجي؟ الرحيل سيجيب عن هذا السؤال بطريقة لا لبس فيها. كل المنخرطين الذين اعتادوا على “الهدايا الإعلامية” سيكتشفون أنهم يتحملون مسؤولية القلم والكلمة لأول مرة بلا حماية الزعيم، وأن الجمهور لن ينتظر طويلاً، ولن يقبل سوى بالمادة الجيدة والمصداقية.
باختصار، رحيل بابا نويل أو أخنوش ليس نهاية الطريق، بل فترة امتحان شاملة لكل من اعتاد الاعتماد على الرجل في الإعلام. أولئك الذين يتقنون اللعبة الحقيقية للصحافة والتحليل السياسي سيتكيفون، وربما يزدهرون، بينما من اعتاد على التبعية، سيجد نفسه أمام حقيقة لا مهرب منها: الفراغ يولد المسؤولية، والمسؤولية تولد التحدي، والتحدي هو مدرسة لا تُفوَّت لأي إعلامي جاد.





Turn your traffic into cash—join our affiliate program!