باب المسجد صار منزله.. ومشهد يهز الضمير في قلب المحمدية

ضربة قلم
كل يوم، وقبل أن يرتفع أذان الصلاة بدقائق، أو بعد أن يغادر المصلون بيت الله، يتكرر المشهد نفسه أمام باب مسجد للا خديجة، المعروف لدى سكان المنطقة بمسجد دار السعادة، الواقع بين حي الحسنية 1 ودار السعادة بالعالية بمدينة المحمدية. هناك، يجلس رجل أنهكه الزمن، وأثقلت كاهله سنوات التشرد، حتى صار جزءا من المشهد اليومي، وكأن وجوده أصبح أمرا عاديا لا يستوقف أحدا، رغم أنه في الحقيقة صرخة إنسانية مدوية.
هذا الرجل، الذي يبدو من هيئته، أنه لا يملك أسرة تؤويه ولا بيتا يحميه من حر الصيف أو برد الشتاء، حول مدخل المسجد إلى مكان للنوم والعيش. فراش مهترئ، أغطية بالية، صناديق كرتونية، قنينات بلاستيكية متناثرة، وبعض الأمتعة البسيطة التي تختصر ما تبقى من حياته… كل ذلك يرسم صورة مؤلمة، لا تليق بمدينة تطمح إلى الظهور في أبهى حلة، ولا بدولة ترفع شعار الحماية الاجتماعية والدولة الاجتماعية في كل مناسبة.
المؤلم في الأمر، ليس فقط وضعية هذا المواطن، بل اعتياد الجميع على المشهد. فمن اعتاد رؤية البؤس، قد يتوقف عن الإحساس به. صار الرجل يجلس هناك بالساعات، ينام هناك، ويستيقظ هناك، وكأن الرصيف، أصبح عنوانه الرسمي، والمسجد صار منزله الوحيد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين هي الجهات المكلفة برعاية الأشخاص في وضعية الشارع؟ وأين هي المصالح الاجتماعية والجماعات الترابية والسلطات المحلية والجمعيات التي ترفع شعارات التضامن والكرامة الإنسانية؟
قد يظن البعض أن الأمر، يتعلق بحالة فردية، لكنه في الواقع يكشف عن ظاهرة أعمق، عنوانها اتساع دائرة الهشاشة، مقابل ضعف آليات التدخل. فليس من المقبول أن يبقى إنسان، يعيش بهذه الطريقة لأيام أو أسابيع أو أشهر، دون أن تتحرك أي جهة للبحث عن هويته، أو وضعه الصحي والنفسي، أو إمكانية إيوائه داخل مؤسسة للرعاية الاجتماعية، إذا كان فعلا بدون معيل.
ولا تقف معاناة مسجد دار السعادة عند هذا الحد، إذ يشكو عدد من المصلين أيضا من الانتشار المتزايد للمتسولين أمام بوابته. فمنذ اللحظة التي يقترب فيها المصلون من الباب، يجدون أنفسهم محاصرين بطلبات الاستعطاف، وعند الخروج يتكرر المشهد نفسه. بعضهم يمد يده، وآخر يلاحق المصلين بالدعاء، وثالث يلح بإلحاح قد يتحول أحيانا إلى مصدر إزعاج، خاصة بالنسبة للمسنين والنساء.
ولا أحد ينكر أن الفقر واقع مؤلم، وأن المحتاج يستحق المساعدة، لكن تحويل مداخل المساجد إلى فضاءات للتسول المنظم أو العشوائي لا يخدم لا المحتاجين ولا المصلين، بل يطرح علامات استفهام، حول غياب حلول اجتماعية حقيقية، تعالج أصل المشكلة بدل الاكتفاء بالتعايش معها.
المفارقة التي تثير الاستغراب أن المغرب، يتحدث اليوم عن الدولة الاجتماعية، وعن تعميم الحماية الاجتماعية، وعن برامج لمحاربة الهشاشة والإقصاء. غير أن المواطن البسيط، لا يقيس نجاح هذه البرامج بالخطب أو البلاغات، بل بما يراه أمام عينيه. وعندما يجد رجلا يفترش الأرض، أمام مسجد منذ مدة طويلة، فإن أول سؤال يتبادر إلى ذهنه هو: إذا كانت الدولة الاجتماعية لم تصل إلى هذا الرجل، فمن الذي وصلت إليه؟
ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى إبعاد الرجل عن المسجد، لمجرد تحسين المنظر العام، بل بالدعوة إلى إنقاذه من وضع لا يليق بكرامة أي إنسان. فالحل ليس في نقله من مكان إلى آخر، وإنما في التكفل به، والاستماع إليه، ومعرفة قصته، وهل يعاني مرضا نفسيا أو اجتماعيا، وهل له أقارب، أم أنه سقط من ذاكرة الجميع.
إن صورة مدينة لا تُقاس فقط بشوارعها المعبدة أو بناياتها الحديثة، بل أيضا بطريقة تعاملها مع أضعف أبنائها. فالرجل المشرد الذي يفترش مدخل مسجد للا خديجة، ليس مجرد حالة إنسانية عابرة، بل امتحان حقيقي لمدى حضور الضمير الاجتماعي لدى المؤسسات والمجتمع معا.
ولعل المسؤولين بمدينة المحمدية، مطالبون اليوم بالنظر إلى هذه الحالة بعين المسؤولية، لا بعين الاعتياد، لأن الكرامة الإنسانية، لا ينبغي أن تبقى مجرد شعار يرفع في المناسبات، بينما يظل إنسان يعيش في العراء، على بعد خطوات من باب مسجد، ينتظر من يلتفت إليه، قبل أن يصبح مجرد رقم جديد في سجل المنسيين.
ليس كل من يفترش الرصيف اختار الشارع، وليس كل من ينام أمام باب مسجد متسول يبحث عن صدقة. أحيانا يكون المشهد صرخة صامتة لإنسان سقط من ذاكرة المجتمع، بينما تتسابق المؤسسات إلى الحديث عن الدولة الاجتماعية، وتعميم الحماية، وحفظ الكرامة. غير أن الكرامة، لا تُقاس بما يُكتب في التقارير، بل بما يراه المواطن بعينه، وما يشعر به وهو يمر بجانب رجل، جعل من مدخل مسجد بيته الوحيد.




