باقون رغم الشراء الجماعي للضمائر: آخر المنبوذين في حديقة الصحافة المُدللة

محمد صابر
في خضم هذه الأحداث التي تمسّنا عن كثب، لم نعد مجرد صحفيين أو كتاب رأي، بل أصبحنا منبوذين رسميين، غير مرغوب فينا لا في الصالونات الإعلامية، ولا في القنوات الرسمية، ولا حتى في “اللايكات” الممولة على الفيسبوك. لقد تجرأنا على البقاء خارج سوق النخاسة الإعلامية، فكان العقاب: التهميش، الإقصاء، والتشويه المجاني بتقنية ثلاثية الأبعاد.
اليوم، ونحن نرقب المشهد الصحفي في بلادنا، نُصاب بالحول؛ فـ”الإعلام المستقل” صار تابعًا، و”التحقيق الصحفي” صار بلاغًا مدفوع الأجر، و”الرأي الحر” صار نشرة إشهارية لفائدة وزارة ما أو حزب ما أو مقاولة عقارية تبيع شققًا أكثر عزلة من هذه الحرية التي نكتب عنها.
لقد اشترى المخزن كل ما تبقى: القنوات، الجرائد، المواقع، الأصوات، وحتى التنهدات الصحفية صارت تُراجع قبل البث. لم يبقَ في السوق سوى نحن… نعم، نحن وقلة أقل من القلة القليلة. ولسنا حتى “قلة نوعية”، بل “بقايا ضمير” نجوا من الصفقة الكبرى التي حوّلت الصحفيين إلى كتبة عموميين بأجهزة كمبيوتر محمولة.
نحن أولئك المزعجون، الذين لا يُصفقون في الندوات، ولا ينحنون في المهرجانات، ولا يتغزلون في البلاغات الرسمية كما لو كانت قصائد حبّ. نحن من نكتب دون ميزانية، نحرر دون أجور، ونعيش خطر الكلمة كما يعيش الغطاس في بحر ملغوم.
يتحدثون عن حرية التعبير وكأنها مقعد في حافلة فارهة، ونحن بالكاد نركب دراجات الصدق، وسط زحام “الكونطرا” و”التمويل الخارجي” و”الكوطة الإشهارية”. يطلبون منا أن نكون موضوعيين، ونحن نُحاكم كل مرة لأننا فقط لم نُجامل، لم نقولب رؤوسنا في شكل لائق لمائدة الخنوع.
نحن الذين كلما كتبنا سطرًا، سقطت علينا مظلة تهديد جديدة، وكلما نطقنا حقيقة، تاهت هواتفنا بين التنصت والتضييق. نحن الذين لم نحصل على البادج الأزرق لا من فيسبوك ولا من وزارة الاتصال. نحن فقط نكتب. فقط نزعج.
وفي زمن صار فيه الجهل خبيرًا، والفساد رأيًا محترمًا، والتحليل السياسي “مقابلة إشهارية بين إشهارين”، نحن ما زلنا نحمل أقلامنا كمن يحمل سكينًا في زمن الطائرات المسيّرة. ما زلنا نؤمن أن الحبر المقاوم هو آخر ما تبقى من الكرامة، وأن الورق الذي لا يُباع هو الورق الذي يُقرأ.
فليُقصونا كما يشاؤون، وليملأوا الشاشات بوجوه مدفوعة الأجر، ولينشروا الرأي العام كما ينشرون الميمات التافهة… نحن هنا، واقفون في ظل صدى الحقيقة، ننتظرهم عند أول كذبة جديدة، نرصدها، نفضحها، ونضحك منها. لأن الضحك، حين يكون ساخرًا من القهر، هو شكل من أشكال المقاومة.



