باكالوريا بدرجة يتيم: حين يكون الحلم ترفاً والفقر مقرراً دراسياً

ضربة قلم
يبدو أن شهادة الباكالوريا في هذا الوطن السعيد، لم تعد بوابة للمستقبل بقدر ما صارت مجرد تأشيرة عبور نحو درب طويل من الحيرة والتيه، ممهور بختم الدولة ومختوم بخيبة الأمل. الطالب ينجح، فيفرح أهله، يوزع الحلوى، تُنحر الدجاجات وتُبخر الدار بالعود القماري، ثم… ثم ماذا؟ ثم يبدأ كابوس الخيارات التي لا تُشبه شيئا سوى لعبة الروليت الروسية، مع فارق بسيط: في اللعبة الحقيقية قد تموت برصاصة واحدة، أما هنا، فتموت ببطء، وبعشر سنوات من القهر، والانتظار، والبطالة المزمنة.
“شْنو غادي تقرا؟”
سؤال يُلقى على الناجحين كما تُلقى قنابل الغاز المسيل للدموع على متظاهرين سلميين.
والجواب يأتي دائماً كاعتراف تحت التعذيب: “بغيت نْدير القانون، ولا الآداب، ولا الشريعة…”
فتُرفع الحواجب، وتُسحب الكراسي، ويبدأ الندب والعويل:
ـ “ولدي غادي يقرا بطالة!”
ـ “بنتي غادي تولّي تشري الجرائد باش تقلب على مباراة!”
ـ “ها حنا رجعنا لنقطة الصفر…”
أما العلميون أصحاب المعدلات الكبيرة – والجيوب الأكبر – فقصتهم قصة أخرى. هم لا ينتظرون صدور نتائج التوجيه، ولا يفتحون مواقع التوجيه المهني التي تتعطل في الدقيقة الأولى من الضغط، ولا يراقبون ترتيبهم في لائحة الانتظار كمن يراقب قلب مريض على فراش الموت. لا، فهم منذ البداية محجوز لهم مقعد في مدارس خاصة، داخل الوطن أو خارجه، مدارس لا تسأل عن “مسارك المهني”، بل تسأل فقط عن “حسابك البنكي”.
الفقير إذا حصل على 13 في شعبة الآداب، يبدأ في تصفح المنتديات القديمة بحثاً عن قصص “النجاح من تحت الصفر”، ويقنع نفسه بأن الله سيجعل له مخرجا، ثم يسجل في كلية الآداب، ويبدأ في قراءة كتب بيير بورديو وماركس وفوكو، ثم ينتهي به المطاف حارساً ليلياً في عمارة لا يسكنها إلا خريجو المدارس العليا.
الآخر، ابن ماما وبابا، الحاصل على 16 أو 17، يطير إلى باريس أو إسطنبول أو برشلونة أو الدار البيضاء، يلبس بذلة المهندس قبل أن يفتح كتابا، وتفتح له الأبواب قبل أن يطرقها، ثم يرجع بعد أربع سنوات ليؤطر الفقير الذي بقي يبحث عن مخرج من نفق طويل اسمه “القطاع العام”، حيث الوظائف متجمدة كما لو أنها تماثيل شمعية في متحف مهجور.
“ولكن كاينة كليات الطب!” نعم، كليات الطب، تلك القلاع الأسطورية التي يدخلها فقط أبناء المباركين من السماء، أو المجتهدين من أبناء الشعب الذين يأكلون الكتب حرفا حرفا حتى يتساقط شعرهم من فرط التوتر. ولكن حتى هؤلاء، حين يدخلون، يكتشفون أنهم مطالبون بخدمة الوطن بعشر سنوات من القهر في مستشفيات تُشبه المقابر أكثر مما تُشبه مؤسسات علاجية.
وأما المعاهد العمومية الكبرى للهندسة، فتلك قصة حب معقدة، تبدأ بأحلام وردية وتنتهي بمشاريع نهاية الدراسة التي تُوضع على الرف، لتُجمع فوقها الغبار، إلى حين يقرر أحد أبناء الباطرونا أن يعيد نفس المشروع في معهد خاص ويبيعه للدولة بثمن مضاعف.
ثم هناك آخرون لا يريدون الطب، ولا الهندسة، ولا الكليات المفتوحة على المجهول، يريدون فقط أن “يقرؤوا حاجة مزيانة”، لكن هذه “الحاجة المزيانة” لا توجد في دليل التوجيه، بل في خيال الأمهات اللواتي يحلمن بأن يُنادى على بناتهن بلقب “الدكتورة”، أو في عقل الآباء الذين يقيسون النجاح بعدد الأصفار في الراتب الشهري.
وهكذا، يخرج الحاصل على الباكالوريا من الامتحانات إلى امتحان أكبر: امتحان الفقر، والجهل بميكانيزمات الدولة، والعجز عن الفهم، والافتقار للمساندة، والعيش في وطن تُحدد فيه مصيرك شعبةٌ اخترتها في سن السابعة عشر بملء السذاجة أو عن طريق “توصية جار كان خدام فمكتب التوجيه”.
وفي النهاية، تجدهم جميعاً… على مقاعد الانتظار، في الكليات، في مكاتب التكوين المهني، في المقاهي، في الطوابير أمام الوكالة الوطنية للتشغيل، يحملون ملفاً أزرق، وسيرة ذاتية خجولة، ويبتسمون في وجه موظف يستقبلهم يومياً، كمن يستقبل رسالة مزعجة.
نعم، هذه بلادٌ لا تُكافئ الذكاء، بل تُكافئ من يعرف الطريق المختصر، من يملك سيارة تقوده إلى معهد خاص بدل الحافلة رقم 33، من وُلد وفي فمه ملعقة من ذهب، لا من اجتاز الباكالوريا تحت ضوء شمعة لأن الكهرباء انقطعت أثناء المراجعة.
في هذه البلاد، النجاح ليس نهاية الطريق… بل بدايته نحو هاوية أخرى.




