بالدم يُدرّس: عندما يصبح الأستاذ هدفًا والسكين أداة “نقاش تربوي” في شوارع فاس!

ضربة قلم
يبدو أن العنف ضد رجال ونساء التعليم بالمغرب لم يعد مجرد سحابة صيف عابرة، بل صار ظاهرة تنذر بانهيار آخر الحصون الأخلاقية التي كانت تحتمي بها المدرسة كمؤسسة للتنشئة والتربية. حادثة الاعتداء الشنيع التي تعرّض لها أستاذ التربية البدنية بثانوية مولاي عبد السلام بنمشيش بفاس، مساء الجمعة 2 ماي 2025، ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، ما دام العنف صار يُرتكب بدم بارد، وبشكل ممنهج، بل ويتم التصوير أحيانًا والتباهي به على منصات التواصل الاجتماعي، وكأننا أمام أجيال تُكافئ الجريمة وتصفق للتمرد، في غياب شبه تام لأي رادع حقيقي أو تدخل استباقي يوقف النزيف.
الاعتداء الذي تعرض له الأستاذ، والذي نُفّذ بأداة بيضاء على يد تلميذ ومعه منحرف من ذوي السوابق القضائية، يجسّد بشكل مرعب تحوّل التلميذ من متلقٍ للمعرفة إلى معتدٍ شرس يهاجم من يُفترض به أن يُنير له الطريق. ما وقع ليس مجرد اعتداء جسدي، بل هو طعنة في وجه المنظومة التربوية برمّتها، وفضيحة أخلاقية وإنسانية تستوجب وقفة تأمل وطنية قبل أن نستفيق على فواجع أكثر قساوة. فحين يُنقل أستاذ إلى المستشفى بعد أن سال دمه على الرصيف، وحين يحتاج إلى عمليات ترميمية لترقيع وجهه، فإننا لا نكون أمام حادث معزول، بل أمام انهيار خطير في سلم القيم الاجتماعية والسلوكية داخل المجتمع.
لا أحد يطالب بوضع شرطي أمام كل أستاذ، فهذا ليس حلاً عمليًا ولا تربويًا، لكن أن تظل الأطر التعليمية رهينة للخوف والقلق أثناء أدائها لمهامها، وأن تصبح مهمة التعليم محفوفة بالمخاطر أشبه بجبهات القتال، فتلك كارثة حقيقية. إن مطالب الأسرة التعليمية بالحماية ليست ترفًا ولا مبالغة، بل هي صرخة بوجه مجتمع صار يتعامل مع رموزه التربوية باستخفاف يصل حد الإجرام. كيف لنا أن نطالب بجودة التعليم، والرفع من مستوى التكوين، وربط المدرسة بسوق الشغل، ونحن لا نوفّر أبسط شروط الكرامة والطمأنينة لمن يُفترض بهم تحقيق كل هذه الطموحات؟
صمت السلطات، سواء على المستوى المحلي أو المركزي، وترددها في اتخاذ قرارات حازمة تجاه مثل هذه الوقائع، يُفهم في الشارع كنوع من التواطؤ أو الإهمال، ويعطي إشارات خاطئة بأن هيبة المدرسة يمكن الدوس عليها دون عواقب تُذكر. العدالة لا يجب أن تتوانى لحظة واحدة في اعتقال المعتدين وتقديمهم لمحاكمة عادلة وسريعة، تعيد التوازن المفقود، وتُشعر الضحية، وزملاءه في القطاع، أن هناك من يحميهم ويقف إلى جانبهم. كما أن مناشدة عائلة الأستاذ لعدم التنازل ليست مجرد رغبة في الانتقام، بل هي تمسك مبدئي بحماية الكرامة الجماعية للمدرسين، لأن كل تساهل في مثل هذه القضايا يفتح الباب أمام مزيد من العنف، ويحوّل المؤسسات التعليمية إلى ساحات صراع بدل أن تبقى فضاءات للتكوين وبناء الإنسان.
ما نعيشه اليوم هو النتيجة المباشرة لسنوات من التقصير في غرس القيم في الناشئة، ولتفكك منظومة الردع التربوي والاجتماعي والقانوني. الطفل الذي يُشرّب العنف في محيطه الأسري، والذي يشاهد أهله وهم يحتقرون المدرسة أو يستهزئون بالمدرّس، سيتحوّل لا محالة إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في وجه أي رمز للسلطة أو التوجيه أو الضبط. وحين لا يجد هذا الطفل إلا الشارع والمعيّنات الرقمية المليئة بالعنف والإباحية والسخرية من القانون، فإنه لا يعود يرى في الأستاذ قدوة، بل خصمًا أو عدوًا.
لهذا فإن أي نقاش عن إصلاح التعليم لن يكون ذا جدوى ما لم يبدأ من حماية الأستاذ. هو حجر الزاوية في كل مشروع تنموي حقيقي. لا تنمية بدون تعليم، ولا تعليم بدون أمان، ولا أمان بدون عدالة صارمة تحمي المربي وتحمي المؤسسة وتعيد الثقة. من هنا، فإن مسؤولية وزارة التربية الوطنية والسلطات الأمنية والنيابة العامة، ليست فقط في ملاحقة الجناة، بل في وضع خطة استراتيجية أمنية وقانونية وتربوية، تستبق مثل هذه الاعتداءات وتُحاصرها من الجذور، سواء عبر التوعية، أو عبر حضور أمني عقلاني ومدروس، أو حتى من خلال إدماج الشرطة المدرسية في محيط المؤسسات التي تعرف توتراً دائماً.
وأخيراً، على المجتمع أن يتوقف عن التعامل مع رجل التعليم كأنه موظف بسيط لا قيمة له، وأن يُدرك أن الاعتداء على الأستاذ هو اعتداء على المستقبل، وعلى الأطفال أنفسهم. فالمدرس هو من يُربّي الطبيب، والمهندس، والقاضي، والجندي، والصحافي، والسياسي… وإذا ما سقط احترام هذا المدرس، فلن تقوم لهذه البلاد قائمة، حتى لو شيدت أرقى الأبراج وأحدثت أضخم الأوراش. إصلاح التعليم يبدأ من هنا، من حماية من يحمي عقول الأجيال.




