برادة والطباشير الطائر: 5000 درهم وعود… والبؤس مستمر في أقسام القرى!

ضربة قلم
في بلادنا الحبيبة، حيث التعليم يُعامل كطبق جانبي في مائدة السياسات العمومية، خرج علينا محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، مبشّرًا كأنه رسول الإصلاح المنتظر، حاملاً في جعبته بُشرى العام: 5000 درهم سنويًا لأساتذة القرى!
نعم، لا تفرك عينيك… فالسيد الوزير قرّر أن يُكافئ أطرنا التعليمية التي تكدّ وتعرق في الجبال والبوادي، بـ”تعويض سنوي محترم” قد يغطي تكاليف شحن الهاتف والنعال البلاستيكية وربما نصف خروف بالتقسيط! كل هذا في إطار سياسة التعليم العجيبة، التي يبدو أن عنوانها الجديد هو: “الكثير من الكلام، القليل من الطباشير، ولا أثر للكرامة”.
ومن قاعة البرلمان، حيث تُفرش الكلمات الحلوة على بساط النفاق الرسمي، بدأ العرض… وبدأت معه أسطورة جديدة من أساطير “تجويد التعليم”، بنكهة برادة، الذي كلما نطق، تحول الإصلاح إلى نشرة طقس غامضة!
“قدما بنينا ماقدناش”… أي منطق هذا؟
أما حين تحدث برادة عن الاكتظاظ، فهنا يبدأ العرض الكوميدي فعلاً. بكل ثقة يقول إنّ أقل من 1% من الأقسام تعاني الاكتظاظ في الابتدائي. شيء جميل على الورق، لكن لماذا إذن لا يستطيع الأساتذة التنفس داخل حجرات بعض المدارس؟ هل هي كوابيس تربوية؟ هل يتوهم الآباء والأمهات؟ هل الصور المتداولة على الفيسبوك؟
ثمّ يلوم تطوّر بعض الأحياء الهامشية، قائلاً: “بني مكادة تطورت، ولكن قدما بنينا ماقدناش”. والله، عبارة تصلح كشعار رسمي للوزارة:
“وزارة التربية: قدما خططنا، ماقديناش!”
بل ويبدو أن كل سوء تدبير عمراني أو اجتماعي هو “مؤامرة ضد الوزارة”، لأنهم، كما صرح الوزير، غير مسؤولين عن تدفق الساكنة، بل فقط عن غياب التوقعات وتخطيط الموارد.
الأقسام المشتركة: مهرجان تربوي غير رسمي
25 ألف قسم مشترك؟ لا بأس، يقول الوزير. “فقط 19 ألف منها تحتوي على مستويين”… يعني، لا داعي للقلق، ما زلنا لم نصل بعد إلى حصة الأسد من الجنون.
تصور طفلًا في القسم الأول يتعلم الأبجدية، وآخر في القسم السادس يراجع قواعد الرياضيات، والأستاذ (المنهك أساسًا) يحاول التنقل بين العوالم كأنه في برنامج “من سيربح المليون” مع ضغط الوقت وضجيج الخلفية.
الرياضة.. رياضة؟ أين؟
الوزير قرر فجأة أن يتحدث عن “الرياضة المدرسية”، وهنا خرج علينا بـ “إنجاز ضخم”: تلميذ يدرس صباحًا ويمارس الرياضة مساءً، وبلغ عددهم 8000 تلميذ من أصل ملايين. شيء جميل فعلاً! الآن نحتاج فقط لمن يصرف عليهم نعال الرياضة، لأن أغلبهم ربما مازال يركض بحذاء مثقوب ورأس مرفوع.
أما عن السلك الابتدائي؟ فيبدو أن ممارسة الرياضة هناك ما تزال ضمن لائحة الأمنيات، ربما في الخطة الخماسية رقم 97 للوزارة، أو حين تُستورد كرات القدم من الصين بتصريح خاص.
وزيرنا “اللسان الطويل والعين القصيرة”
لعل الأجمل في هذا العرض البهلواني هو طريقة كلام الوزير. لا نعلم إن كان يتعمد التلعثم و”التمغريط” في العبارات لإيهامنا بالتواضع، أم أنه فعلاً لا يملك لا نَفَسَ الخطيب ولا عقل المدير التنفيذي. استمع إليه وهو يقول: “غادي نخرجوه قبل آخر السنة”… وكأننا في سوق أسبوعي ننتظر خروج الزبدة البلديّة من غرفة التبريد.
الخلاصة؟
وزارة التعليم تسير بسياسة “ترقيع هنا وترقيع هناك”، ووزيرها يوزع الأمل بجرعات موسمية، كلما اقترب موعد مساءلة أو انتخابات. يلمّح، يبرّر، يُطمئن، ثم يرحل مطمئنًا أن الناس نسيت، والأساتذة مشغولون بإعداد دروسهم للغد داخل أقسام تنقصها النوافذ والكرامة.
فهل نُذكّر الوزير أن التعليم ليس مجرد لائحة إحصائيات مضبوطة بصيغة Excel، بل هو مشروع حياة لا يحتمل المزاح؟ أم ننتظر حتى يقول في جلسة قادمة: “قدما وزعنا الوعود، ماقديناش نحققوهم”؟




