بريد المغرب يعلن تجويع البريديين… وبريد بنك يثير التساؤلات بغياب الشفافية

ضربة قلم
في كل مرة يُقال فيها إن مؤسسة عمومية، أطلقت برنامجًا للمغادرة الطوعية، يتبادر إلى ذهن المواطن أن الأمر يدخل في إطار إعادة الهيكلة، وأن كل شيء سيكون مضبوطًا بالقانون، وبآجال واضحة، وباحترام لكرامة الإنسان الذي قضى سنوات طويلة في خدمة المؤسسة. لكن يبدو أن بعض الإدارات لا تفهم “المغادرة الطوعية” بالطريقة نفسها التي يفهمها الموظفون.
ففي الوقت الذي ظن فيه عدد من البريديين، أن قرارهم بإنهاء مسارهم المهني، سيكون بداية مرحلة جديدة من حياتهم، وجدوا أنفسهم يدخلون مرحلة أخرى عنوانها: الانتظار… ثم الانتظار… ثم انتظار لا يعرف أحد متى ينتهي.
لقد اختاروا المغادرة طواعية، لكن الإدارة، فيما يبدو، اختارت أن تؤجل حقوقهم هي الأخرى طواعية!
فكيف يعقل أن يمر أكثر من شهرين على مغادرة موظفين لمناصبهم، دون تسوية وضعية التقاعد، ودون صرف منحة المغادرة التي يفترض أن تكون جاهزة منذ اليوم الأول الذي غادروا فيه المؤسسة؟
وهل يعقل أن يُطلب من إنسان أن يبدأ حياة جديدة، بينما جيوبه فارغة، والتزاماته المالية لا تنتظر، وأقساط البنوك لا تؤجل نفسها، وفواتير الماء والكهرباء لا تعترف بعبارة “ملفكم ما زال قيد المعالجة”؟
إن بعض الإدارات، تتعامل مع الزمن بطريقة غريبة للغاية.
فعندما يتعلق الأمر بخصم يوم إضراب، يصبح النظام المعلوماتي أسرع من الضوء.
وعندما يتعلق الأمر باقتطاع أي مبلغ من راتب الموظف، تتحول الإدارة إلى آلة دقيقة، لا تخطئ ثانية واحدة.
أما عندما يحين موعد أداء حقوق الموظف نفسه، فإن الساعة تتوقف فجأة، وتصاب الملفات بشلل إداري مزمن، وتبدأ رحلة البحث عن التوقيعات، ثم التأشيرات، ثم اللجان، ثم المراسلات، ثم عبارة أصبحت محفوظة عن ظهر قلب:
“الملف في طور المعالجة.”
هذه الجملة وحدها، تستحق أن تُدرج ضمن التراث الإداري المغربي، لأنها قادرة على تفسير كل شيء… وفي الوقت نفسه لا تفسر أي شيء.
الملف في طور المعالجة…
لكن إلى متى؟
أسبوع؟
شهر؟
سنة؟
أم إلى أن يتقاعد الملف هو الآخر؟
الطريف في الأمر أن الموظف، قبل أن يغادر المؤسسة، كان مطالبًا باحترام كل الآجال.
إذا تأخر دقيقة عن العمل، سُجلت عليه ملاحظة.
إذا أخطأ في إجراء إداري بسيط، قد يتعرض للمساءلة.
إذا نسي توقيعًا، قيل له إن القانون فوق الجميع.
لكن عندما يصبح هو صاحب الحق، يكتشف أن القانون نفسه، يدخل في عطلة مفتوحة.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة.
الإدارة تطلب من الموظف الانضباط الكامل طوال سنوات الخدمة، لكنها عندما يحين وقت الوفاء بالتزاماتها، تصبح الآجال مجرد اقتراحات، وليس التزامًا.
بل إن الأمر لا يتعلق فقط بالأموال، وإنما بالإحساس بالاحترام.
فالإنسان الذي أفنى سنوات من عمره داخل مؤسسة عمومية، لا ينتظر صدقة، ولا هبة، ولا منة من أحد.
إنه ينتظر حقًا اكتسبه بعمله، وبسنوات اقتُطعت خلالها مساهماته، والتزم فيها بكل ما طُلب منه.
ومن المؤسف أن تتحول نهاية المسار المهني إلى بداية معاناة جديدة.
أما الجانب الآخر من الصورة، فيتعلق ببريد بنك، الذي أعلن بدوره عن برنامج للمغادرة الطوعية، غير أن الغموض ما زال سيد الموقف، والتواصل يكاد يكون غائبًا، والشفافية تبدو وكأنها في عطلة هي الأخرى.
الموظفون يتساءلون:
متى سينطلق البرنامج فعلًا؟
ما هي الآجال؟
كيف سيتم التنفيذ؟
ما هي الضمانات؟
لكن يبدو أن الإجابات ما زالت محفوظة داخل الأدراج، وربما تنتظر هي الأخرى توقيعًا ضائعًا في أحد المكاتب.
ومن حق أي مؤسسة أن تعيد هيكلتها، وأن تطلق برامج للمغادرة الطوعية إذا اقتضت الضرورة ذلك، لكن من واجبها أيضًا أن تجعل التواصل مع موظفيها جزءًا من هذه العملية.
فالصمت ليس سياسة تواصل.
والغموض ليس استراتيجية.
وترك الناس يبنون توقعاتهم على الإشاعات أخطر بكثير من إعلان الحقيقة مهما كانت.
الإدارة الحديثة لا تُقاس بعدد البلاغات الرسمية فقط، بل تُقاس بسرعة التواصل، ووضوح المعلومة، واحترام المواعيد.
أما أن يعيش الموظفون على وقع الإشاعات، فهذا لا يليق بمؤسسات يفترض أنها تقدم خدمات للمواطنين كل يوم.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب هو أن المؤسسات العمومية، أصبحت تطالب المواطنين بالرقمنة، والسرعة، والخدمات الإلكترونية، والتطبيقات الذكية، بينما يبدو أن بعض الملفات الداخلية، ما زالت تسافر بين المكاتب على ظهر السلحفاة.
نتحدث عن التحول الرقمي…
لكن الحقوق، ما زالت تتحرك بسرعة البريد القديم.
نتحدث عن الإدارة الذكية…
لكن الموظف، لا يعرف أين وصل ملفه.
نتحدث عن الحكامة…
لكن صاحب الحق يضطر إلى السؤال عشرات المرات، دون أن يحصل على جواب واضح.
فأي حكامة هذه؟
وأي تحديث هذا؟
وأي إصلاح إداري، يمكن أن ينجح ،إذا كان أول من يفقد الثقة فيه، هم موظفوه؟
إن المؤسسة التي لا تطمئن مستخدميها، كيف ستطمئن المواطنين؟
والمؤسسة التي تتأخر في أداء حقوق من خدموها سنوات طويلة، كيف ستقنع الناس بأنها تحترم الزمن؟
القضية، ليست مجرد تحويلات مالية مؤجلة.
القضية، تتعلق بثقافة إدارية كاملة تحتاج إلى مراجعة.
ثقافة تعتبر أن الموظف، ما دام قد غادر، فيمكنه أن ينتظر.
وكأن الانتظار أصبح جزءًا من التعويضات.
بل ربما لو استمرت الأمور بهذا المنطق، فقد نسمع يومًا عن تعويض جديد يحمل اسم:
“منحة الصبر الإداري.”
تصرف بعد انتهاء جميع مراحل الانتظار… إذا بقي صاحبها قادرًا على الانتظار أصلًا.
إن احترام الموظف لا يبدأ يوم التوظيف فقط، بل يجب أن يستمر حتى آخر يوم من علاقته بالمؤسسة، بل وحتى بعد مغادرته، لأن المؤسسات تُقاس بأخلاقها الإدارية، قبل أن تُقاس بحجم بناياتها أو عدد فروعها.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جوابًا واضحًا من الجهات المعنية:
إذا كانت الإدارة تعرف مسبقًا أسماء المغادرين، وتاريخ مغادرتهم، وقيمة مستحقاتهم، فلماذا كل هذا التأخير؟ ولماذا هذا الغموض؟ وهل هناك أسباب موضوعية، تستوجب توضيحًا للرأي العام وللمعنيين بالأمر، أم أن سياسة الصمت أصبحت هي البلاغ الرسمي غير المعلن؟
فالحقوق لا ينبغي أن تُؤجل بلا تفسير، والتواصل ليس ترفًا إداريًا، بل هو واجب، واحترام الإنسان، يبدأ من احترام حقه في معرفة الحقيقة، قبل احترام حقه في الحصول على مستحقاته.




