
ضربة قلم
في واحدة من القضايا التي تعكس الوجه الخفي، لحُمّى الكرة ،حين تتحول من فرجة رياضية إلى سوق سوداء، تمكنت فرقة مكافحة الجريمة الإلكترونية، التابعة للمصلحة الولائية للشرطة القضائية، بولاية أمن فاس، من توقيف عون سلطة يُشتبه في تورطه في عمليات مضاربة غير مشروعة بتذاكر مباريات كأس أمم إفريقيا “المغرب 2025”.
من خدمة الإدارة… إلى الاتجار في الفرجة
وحسب معطيات استقتها مصادر مطلعة، فإن المشتبه فيه، البالغ من العمر 31 سنة، ويزاول مهامه بإحدى الملحقات الإدارية، استغل موقعه الوظيفي ومعرفته المسبقة بمسارات التذاكر والطلب المتزايد عليها، ليحوّل منصات التواصل الاجتماعي، وبالضبط “فيسبوك”، إلى واجهة لعرض وبيع تذاكر مباريات “الكان” خارج القنوات الرسمية، وبأثمان يُشتبه في كونها تفوق الأسعار المحددة قانونًا.
القضية لا تتعلق فقط ببيع تذكرة مباراة، بل بــتحويل مناسبة رياضية قارية إلى فرصة للربح السريع، على حساب الجماهير البسيطة، التي جاءت من مدن بعيدة، أو التي انتظرت طويلًا دورها، في المنصات الرسمية، لتصطدم بسوق موازية، لا تعترف لا بالقانون ولا بالأخلاق.
الجريمة الإلكترونية… حين يصبح “الفيسبوك” مسرحًا للمضاربة
التحقيقات الأولية تشير إلى أن عملية التوقيف، جاءت بعد رصد دقيق لنشاط إلكتروني مشبوه، تمثل في إعلانات متكررة، لبيع تذاكر مباريات حساسة، مرفوقة بعبارات الإغراء والاستعجال، في استغلال واضح لشغف الجمهور وضيق الوقت.
وتؤكد هذه الواقعة مرة أخرى أن الجريمة لم تعد حكرًا على الأزقة الخلفية، بل انتقلت إلى العالم الرقمي، حيث يُعتقد خطأً أن “البيع خلف الشاشة” أقل خطورة أو أقل قابلية للتتبع، في حين، أثبتت فرق الأمن، أن الفضاء الافتراضي، لا يقل مراقبة عن الواقع.
مسطرة قانونية وبحث مفتوح على كل الاحتمالات
وقد جرى وضع المشتبه فيه تحت تدابير الحراسة النظرية، في إطار الإجراءات القانونية المعمول بها، وتحت إشراف النيابة العامة المختصة، من أجل تعميق البحث، ليس فقط لتحديد الأفعال المنسوبة إليه بدقة، ولكن أيضًا لكشف ما إذا كان الأمر يتعلق بمبادرة فردية أم بــشبكة أوسع تضم وسطاء آخرين، سواء داخل الإدارة أو خارجها.
التحقيق يهدف كذلك إلى الوقوف على مصدر التذاكر، وكيفية الحصول عليها، وما إذا كان هناك استغلال محتمل للنفوذ، أو تسريب من داخل قنوات التوزيع الرسمية.
رسالة واضحة: “الكان” ليس غنيمة
هذه العملية الأمنية، تحمل أكثر من دلالة. أولها أن عيون الدولة حاضرة لحماية التظاهرات الكبرى من كل أشكال العبث، وثانيها أن الصفة الوظيفية لا تمنح حصانة، بل تفرض مسؤولية مضاعفة. فعون السلطة، قبل غيره، مطالب بأن يكون في صف القانون، لا في صف الالتفاف عليه.
كما تشكل القضية رسالة ردع واضحة لكل من تسوّل له نفسه استغلال التظاهرات الرياضية، لتحقيق مكاسب غير مشروعة، مفادها أن المتاجرة في شغف الجماهير، خط أحمر، وأن “الكان” ليس موسمًا للغنائم، بل واجهة وطنية، وصورة بلد أمام القارة والعالم.
كرة القدم فرح… لا سوق سوداء
في زمن تراهن فيه المملكة، على تنظيم تظاهرات كبرى، وتقديم صورة بلد منفتح ومنظم، تظل مثل هذه السلوكات نشازًا مؤسفًا، لأنها تضرب في الصميم، مبدأ تكافؤ الفرص، وتحرم آلاف المشجعين من حقهم في ولوج المدرجات بطريقة قانونية وعادلة.
ويبقى الرهان اليوم على استمرار الصرامة، ليس فقط في المتابعة الأمنية، بل أيضًا في تحصين منظومة التذاكر، وتجفيف منابع المضاربة، حتى تظل كرة القدم فرحًا جماعيًا، لا سلعة في يد سماسرة الفرجة.



