بعد أن شبع الفراقشية من الدعم… تذكر البرلمان أن يسأل أين ذهبت الأموال!

ضربة قلم
فجأة، وفي السنة الأخيرة من الولاية التشريعية، استيقظ الجميع على ملف دعم استيراد المواشي، وإعادة تشكيل القطيع الوطني، ذلك الملف الذي ابتلع مليارات الدراهم من المال العام، وأثار من الجدل، أكثر مما أثار من الاطمئنان لدى المواطنين. واليوم، تتعالى الأصوات المطالبة بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وكأن الأمر يتعلق باكتشاف جديد، لم يكن أحد يعلم بوجوده.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين كان البرلمان عندما كانت الحكومة تفتح خزائن الدعم على مصراعيها؟ وأين كانت لجان المراقبة والأسئلة الشفوية والكتابية والمهمات الاستطلاعية، عندما كانت الأموال العمومية، تتدفق نحو المستوردين والوسطاء والمستفيدين من البرنامج؟
الغريب أن الحديث عن كشف الحقيقة، جاء بعد أن انتهى كل شيء تقريباً. فالدعم صُرف، والمواشي استُوردت، والقطيع قيل إنه أُعيد تشكيله، فيما ظل المواطن يتابع المشهد من بعيد، متشبثاً بأمل أن تنعكس كل تلك الملايير على الأسعار. لكن الذي انعكس فعلاً هو شيء آخر تماماً؛ إذ واصلت أثمان الأضاحي التحليق، وكأنها لا تسمع عن الدعم ولا عن الإعفاءات ولا عن الامتيازات.
وفي نهاية المطاف، وجد عدد كبير من الأسر المغربية نفسها، عاجزة عن اقتناء الأضحية، فيما اضطرت أسر أخرى إلى طي صفحة العيد قبل أن تبدأ. وهكذا مر الموسم، لا المواطن ظفر بالكبش الذي وعدته به لغة الأرقام والبلاغات، ولا الفقراء لمسوا أثراً لذلك السخاء الذي أغدق على الفراقشية، بينما بقي السؤال معلقاً: إذا كانت الأموال قد صُرفت لإعادة التوازن إلى السوق، فأين اختفى هذا التوازن؟ وأين تبخرت كل تلك الملايير، التي قيل إنها أنفقت من أجل حماية القدرة الشرائية للمغاربة؟
اليوم يريد البعض معرفة من استفاد، وكم استفاد، وكيف استفاد. وهي أسئلة مشروعة بلا شك. غير أن المواطن البسيط قد يتساءل بدوره: أليست هذه الأسئلة نفسها، كان يفترض طرحها قبل صرف الأموال لا بعد صرفها؟ أليس دور الرقابة البرلمانية أن تواكب السياسات العمومية، أثناء تنفيذها، لا أن تتذكرها عندما يقترب موعد الانتخابات؟
الأكثر إثارة أن الجدل تحول إلى صراع، بين من يريد لجنة لتقصي الحقائق ومن يفضل مهمة استطلاعية، وكأن جوهر المشكلة أصبح في اسم الآلية لا في مصير الأموال العمومية ونتائجها. أما المواطن الذي كان ينتظر أن ينعكس الدعم على الأسعار، فلم يعد يعنيه كثيراً إن كان التحقيق، سيحمل هذا الاسم أو ذاك، بقدر ما يعنيه أن يعرف، كيف صُرفت أموال ضخمة، بينما بقيت القدرة الشرائية تنزف.
الحكومة من جهتها، تؤكد أن الظروف كانت استثنائية، وأن توالي سنوات الجفاف، وارتفاع أسعار الأعلاف، وتداعيات جائحة كورونا، كلها عوامل فرضت التدخل ودعم القطاع. وقد لا يختلف اثنان حول صعوبة الظرفية التي عاشها مربو الماشية والفلاحون. لكن ما لا يقل صحة عن ذلك، هو أن أي سياسة عمومية، لا تُقاس بحسن النوايا ولا بحجم البلاغات التي ترافقها، بل بما تحققه على أرض الواقع من نتائج ملموسة.
وإذا كانت المليارات، قد صُرفت بسخاء غير مسبوق تحت عنوان حماية القطيع الوطني وضمان توازن السوق، فمن حق المواطن أن يتساءل عن الحصيلة الفعلية لهذا الإنفاق. فمن غير المفهوم أن يصل الدعم إلى جيوب بعض الفراقشية بسرعة قياسية، بينما لم يصل إلى الأسواق، ولم ينعكس أصلا على القدرة الشرائية للمواطنين.
بل إن كثيرين يذهبون إلى أبعد من ذلك، حين يتساءلون عما إذا كان هذا الدعم قد وصل أصلاً إلى المواطن في أي مرحلة من المراحل. فلو كان قد وصل بالفعل، لكان من الطبيعي أن يلمس الناس انخفاضاً في الأسعار أو على الأقل استقراراً معقولاً لها. أما وقد ظلت الأثمان مرتفعة إلى مستويات غير مسبوقة، فإن السؤال يصبح مشروعاً: من الذي استفاد فعلاً من الدعم؟ المواطن الذي كان ينتظر أضحية بسعر معقول، أم أولئك الذين تحولت الأزمة بالنسبة إليهم، إلى فرصة استثنائية لتحقيق أرباح استثنائية؟
وفي خضم هذا السجال، يبدو أن الجميع يحاول اليوم البحث عن الحقيقة. لكن الحقيقة التي ينتظرها المغاربة، ليست فقط أسماء المستفيدين أو حجم المبالغ المصروفة، بل معرفة كيف تحولت مليارات الدراهم إلى ملف يثير كل هذا الجدل، بينما خرجت نسبة من الشعب، من موسم العيد بلا أضحية، تراقب من بعيد أخبار الدعم واللجان والتقارير، وتتساءل بدورها: إذا كان البرلمان يبحث الآن عن الحقيقة، فمن كان يبحث عنها عندما كانت الأموال تُصرف؟




