بعد الخطاب الملكي.. من يضمن أن تصل الرسالة إلى من يهمهم الأمر؟

ضربة قلم
بعد كل خطاب ملكي، ينشغل كثير من المغاربة، بتحليل الأرقام والوعود والرسائل السياسية والاقتصادية. لكن، بالنسبة للمواطن البسيط، يبقى السؤال مختلفًا تمامًا.
فهو لا يسأل فقط: ماذا قيل؟
بل يسأل: من سيحول ما قيل إلى واقع؟
لقد حمل الخطاب رسائل واضحة حول مواصلة الإصلاح، وتحصين المكتسبات، وإطلاق مرحلة جديدة، بعد الانتخابات التشريعية المقبلة. وهنا يبرز سؤال يردده عدد كبير من المغاربة، ليس بدافع التشكيك، وإنما بدافع الأمل: من سيضمن أن تكون الانتخابات المقبلة نقطة تحول حقيقية، لا مجرد محطة تتكرر فيها الوجوه نفسها والأساليب نفسها؟
فالمغاربة لا ينتظرون انتخابات لتغيير الألوان والشعارات فقط، بل ينتظرون تغييرًا في العقليات، وفي طريقة ممارسة السياسة، وفي مستوى الكفاءة والنزاهة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن التحدي اليوم، لا يكمن فقط في تنظيم انتخابات في موعدها، وإنما في ترسيخ الثقة في نتائجها، وإقناع المواطن، بأن صوته قادر على صناعة الفرق، وأن المؤسسات المنتخبة، ستعكس فعلاً إرادته وتطلعاته.
ولذلك، فإن الرهان الحقيقي، ليس فقط على نزاهة عملية التصويت، بل أيضًا على جودة النخب التي ستفرزها صناديق الاقتراع. فكم من مسؤول، حمل وعودًا كبيرة قبل الانتخابات، ثم اختفى بعد الفوز، وكم من منتخب، تحولت لديه المسؤولية إلى امتياز، بدل أن تكون خدمة للمواطن.
وإذا كان الخطاب الملكي، قد دعا إلى مواصلة مسار التنمية والإصلاح، فإن نجاح هذا المسار يحتاج إلى نخبة سياسية، تمتلك الكفاءة، وروح المبادرة، والنزاهة، والقدرة على الإنصات للمواطن، بعيدًا عن الحسابات الضيقة، والصراعات الشخصية.
المغاربة اليوم لا يطالبون بالمستحيل، ولا يبحثون عن المعجزات. إنهم يتطلعون إلى وجوه جديدة، بريئة من الانتهازية، وتحظى بالاحترام والمصداقية، تحمل الكفاءة قبل الشعارات، وتؤمن بأن المسؤولية تكليف لا تشريف. يريدون أن تُفتح الأبواب أمام أصحاب الخبرة والنزاهة، لا أن تبقى حكراً على من اعتادوا الظهور في كل استحقاق انتخابي، في ظل حصيلة لا تقنع المواطنين، ولا تعيد إليهم الثقة في العمل السياسي.
فالمواطن لم يعد يقيس السياسي بما يقوله في الحملات الانتخابية، بل بما يحققه بعد الوصول إلى المسؤولية. لذلك، فإن تجديد النخب، لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة لبعث الأمل، وتجديد الثقة، وإقناع المغاربة، بأن الانتخابات، يمكن أن تكون بالفعل وسيلة للتغيير، لا مجرد محطة، تتكرر فيها الأسماء نفسها والوعود نفسها والنتائج نفسها.
كما يتطلعون إلى أن تبتعد الحياة السياسية، عن كل الممارسات التي أضعفت ثقة المواطنين، سواء تعلق الأمر باستعمال المال، أو الوعود غير الواقعية، أو الخطابات الشعبوية، أو تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
فالرهان، لم يعد مجرد الفوز بمقاعد داخل المؤسسات، بل استعادة ثقة المواطن في العمل السياسي نفسه، لأن هذه الثقة هي أساس أي مشروع تنموي ناجح.
ويبقى السؤال الذي يشغل الكثيرين بعد هذا الخطاب:
هل ستفرز الانتخابات المقبلة نخبة قادرة على مواكبة الرؤية التي تحدث عنها الخطاب، أم سيستمر المشهد السياسي بالوجوه نفسها والممارسات نفسها، فتظل الفجوة قائمة بين طموحات المواطنين، وما يلمسونه في حياتهم اليومية؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، لأن قوة أي مشروع إصلاحي لا تقاس فقط ،بما يُعلن عنه في الخطب، وإنما أيضًا بنوعية الرجال والنساء الذين يتولون تنزيله على أرض الواقع، وبمدى قدرتهم على خدمة الصالح العام، وتجديد الثقة في المؤسسات، وجعل المواطن، يشعر بأن صوته كان له أثر، وأن المستقبل، يمكن أن يكون أفضل بالفعل.




