بعد تحرك بريد المغرب إثر نشر الملف… خرج المتسلقون من جحورهم، فهل يخرج بريد بنك من صمته؟

ضربة قلم
منذ أن نشرنا قبل يومين، ملف البريديين الذين اختاروا المغادرة الطوعية، لم يكن هدفنا البحث عن بطولة إعلامية، ولا تصفية حسابات مع أي جهة، وإنما ممارسة دور طبيعي يفترض أن يقوم به كل منبر يحترم رسالته: أن ينقل صوت من لا يجد من ينقل صوته.
لقد تحدثنا عن معاناة حقيقية، عاشها رجال ونساء خدموا مؤسستهم سنوات طويلة، ثم وجدوا أنفسهم بعد المغادرة، أمام انتظار مفتوح لا يعرفون له نهاية، في ظل غياب التواصل وتأخر تسوية مستحقاتهم.
ويبدو أن للكلمة الصادقة، أثرًا لا يمكن إنكاره.
فبعد نشر الموضوع، تحركت الأمور داخل إدارة بريد المغرب، وتسربت معطيات، تفيد بأن ملف التسوية يسير نحو الحل، وأن المستحقات ستتم معالجتها، وفق ما راج، قبل نهاية الأسبوع الجاري.
نقول، بعد نشرنا لهذا الملف، وما أثاره من تفاعل واسع داخل الأوساط البريدية، تأكد اليوم صرف منح ومستحقات البريديين الذين غادروا مؤسسة بريد المغرب، في إطار برنامج المغادرة الطوعية.
وهو خبر أسعد كل من تابع هذا الملف بصدق، لأن المستفيد الحقيقي، لم يكن يومًا هذا المنبر الإعلامي، ولا أي جهة نقابية، ولا أي طرف آخر، بل أولئك البريديون الذين انتظروا أكثر من شهرين، وهم يتساءلون كل يوم: متى تصل حقوقنا؟
لقد اخترنا منذ البداية أن نكون صوتهم، وأن نضع معاناتهم أمام الرأي العام، دون البحث عن الأضواء أو عن نسب أي إنجاز إلى أنفسنا. فإذا كانت الكلمة الصادقة، قد ساهمت في تسليط الضوء على هذا الملف، فإن القيمة الحقيقية، تكمن في أن الحقوق عادت إلى أصحابها، وهذا هو الانتصار الذي يهمنا قبل أي شيء آخر.
لقد قلنا منذ البداية إن الهدف لم يكن البحث عن سبق صحفي، ولا صناعة بطولة إعلامية، وإنما الدفاع عن حق مشروع، وإثارة انتباه المسؤولين إلى معاناة إنسانية وإدارية، كان من الممكن تفاديها لو كان التواصل حاضرًا منذ البداية.
واليوم، وبعد أن عادت الحقوق إلى أصحابها، يسعدنا أن نكون أول من يهنئ جميع المستفيدين، وأن نتمنى لهم بداية جديدة تليق بما قدموه من سنوات خدمة داخل المؤسسة.
لكن، وكما يحدث في كثير من الملفات، ما إن انتهت الأزمة، حتى ظهر من يحاول أن يكتب لنفسه دور البطولة.
وفجأة، امتلأت بعض الصفحات والمنشورات بأخبار التسوية، وكأن أصحابها هم الذين حركوا الملف، أو قادوا المعركة، أو كانوا الصوت الذي دافع عن المتضررين طوال الأسابيع الماضية.
وهنا يفرض سؤال نفسه بكل هدوء:
أين كان هؤلاء طوال أكثر من شهرين؟
أين كانت مواقفهم، عندما كان البريديون يعيشون القلق والانتظار؟
أين كانت بياناتهم، عندما كان أصحاب الحقوق، يبحثون عن معلومة واحدة تطمئنهم؟
أين كانت تحركاتهم، عندما كان الصمت هو سيد الموقف؟
فالسهولة، ليست في نشر خبر بعد أن يصبح واقعًا.
والبطولة، ليست في إعادة نشر قرار بعد صدوره.
أما الشجاعة الحقيقية، فهي أن تتحدث، عندما يكون الصمت هو الخيار الأسهل، وأن تدافع عن أصحاب الحقوق، عندما يكون الملف ما يزال عالقًا، لا بعد أن يُطوى.
ولهذا، فإن العمل النقابي الحقيقي، سيظل رسالة نبيلة، تقوم على المبادرة، والصدق، وتحمل المسؤولية، لا على الانتهازية، وركوب الأمواج، والتسلق على أكتاف المتضررين بعد أن تنتهي المعركة.
فالمناضل الحقيقي، لا ينتظر حتى تنضج الثمار ليقطفها، ولا يختبئ عندما تكون المواجهة صعبة، ثم يخرج بعد ذلك ليطالب بحصته من التصفيق.
أما الانتهازيون، فوظيفتهم معروفة؛ يختفون عندما يكون الصمت مكلفًا، ويظهرون، عندما يصبح الكلام مجانيًا. يراقبون من بعيد، وعندما يلمحون بوادر الانفراج، يقفزون إلى الواجهة، ويلتقطون الصور، ويكتبون المنشورات، ويوزعون الأدوار، وكأنهم كانوا في مقدمة الصفوف منذ اليوم الأول.
إنهم لا يركبون القضايا، بل يركبون نتائجها.
ولا يصنعون الإنجازات، بل يتسلقون عليها.
ولا يدفعون ثمن المواقف، بل ينتظرون من يدفعه، ثم يحاولون اقتسام المكاسب المعنوية، بعد انتهاء كل شيء.
ولذلك، فإن التاريخ المهني، لا يكتب أسماء الذين ظهروا عند توزيع التهاني، وإنما يحفظ أسماء الذين كانوا حاضرين، عندما كان الناس يبحثون عن من يسمعهم، ويدافع عنهم، ويتحمل معهم ثقل المسؤولية.
النقابي الحقيقي، يكون حاضرًا منذ بداية الأزمة.
يصغي.
ويتابع.
ويضغط.
ويطالب.
ولا ينتظر أن تنتهي المعركة، حتى يرتدي لباس المنتصر.
وليس عيبًا أن يفرح الجميع بانتهاء هذا الملف.
بل إن فرحتنا جميعًا مشروعة، لأن حقوق الناس عادت إلى أصحابها.
لكن من غير المقبول أخلاقيًا أن يُمحى تاريخ المعاناة، وأن يُختزل أكثر من شهرين من الانتظار في منشور متأخر، يوحي بأن صاحبه كان وراء كل ما تحقق.
فالحقوق، لا تُنتزع بمنشورات متأخرة.
ولا تُبنى المصداقية بالقفز، إلى مقدمة الصف بعد انتهاء العمل.
ولا يُكتب التاريخ، لمن وصل أخيرًا، ثم حاول إقناع الجميع، بأنه كان أول الواصلين.
وفي المقابل، يبقى ملف آخر يثير كثيرًا من علامات الاستفهام…
إنه ملف بريد بنك.
فإذا كانت مؤسسة بريد المغرب، قد طوت اليوم صفحة المغادرة الطوعية بصرف مستحقات المغادرين، فإن مستخدمي بريد بنك ما زالوا يعيشون على وقع الصمت، في انتظار تواصل رسمي يوضح الرؤية، ويجيب عن الأسئلة التي تتكرر يوميًا.
فالغموض لا يصنع الثقة.
والإشاعة، لا يمكن أن تكون وسيلة للتواصل.
والمستخدمون لا يحتاجون إلى التخمين، بل إلى معلومة رسمية، واضحة، ودقيقة، تحترم عقولهم وتضع حدًا لكل التأويلات.
ومن هذا المنبر، الذي اختار منذ البداية، أن يكون صوتًا للبريديين، نجدد دعوتنا إلى إدارة بريد بنك، لأن تجعل التواصل جزءًا من مسؤوليتها، وأن تقدم توضيحات شفافة، حول برنامج المغادرة الطوعية، لأن احترام المستخدم، يبدأ باحترام حقه في معرفة الحقيقة.
وسنظل أوفياء للمبدأ نفسه…
لا ننسب لأنفسنا ما ليس لنا.
ولا نبحث عن التصفيق.
ولا ننتظر انتهاء الأزمات حتى نتحدث عنها.
فنجاح أي عمل إعلامي، لا يقاس بعدد العناوين، بل بعدد الحقوق التي تعود إلى أصحابها، وبقدر الأمل الذي يزرعه في نفوس من ظنوا أن لا أحد يسمع صوتهم.




