بعد تسع سنوات عجاف… السماء تستعيد سخاءها فوق المغرب

ضربة قلم
بعد تسع سنواتٍ عجاف، لم يكن فيها الغيم كريمًا، ولا السماء سخية، يعود الشتاء المغربي، في الأشهر الأخيرة، وكأنه يطلب الصفح، حاملاً معه أمطارًا، طال انتظارها، وثلوجًا، أعادت للمرتفعات، لونها الأبيض، الذي كاد يتحول إلى ذكرى. عقدٌ كامل تقريبًا مرّ على البلاد، وهي تحصي المواسم بخيبة، وتعد السدود بالأرقام الناقصة، وتراقب الأرض، وهي تتشقق بصمت، قبل أن تقرر السماء، أخيرًا، أن تُنصت لقلق الفلاحين، ولهفة القرى، وأنين المدن العطشى.
ليست هذه التساقطات طوفانًا، ولا معجزة من السماء، لكنها، في زمن الندرة، تُعدّ بشائر تُنعش الأمل، وتُعيد ترتيب المزاج العام. فالمطر حين يغيب طويلًا، لا يعود مجرد ظاهرة طبيعية، بل يتحول إلى حدث وطني، تُقرأ خرائطه بلهفة، وتُتداول أرقامه كما لو كانت أخبارًا اقتصادية كبرى.
خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، سجلت المديرية العامة للأرصاد الجوية، تساقطات مطرية متفاوتة، شملت عددًا من مناطق المملكة، في مشهد، يعكس عودة تدريجية للاضطرابات الجوية، التي افتقدها المغرب طويلاً. وقد جاءت المقاييس المسجلة على النحو التالي:
في شرق المملكة، استقبلت وجدة 9 ملم من الأمطار، كمية متواضعة في ظاهرها، لكنها ذات دلالة كبيرة في منطقة اعتادت على الشح. وفي المرتفعات، سجلت أوكايمدن 8 ملم، بينما بلغت التساقطات بـإقليم أزيلال 7 ملم، في مؤشر أولي، على موسم شتوي، قد يكون مختلفًا عن سابقاته.
أما الشمال، فقد نال نصيبه بدوره، حيث سجلت طنجة الميناء 4 ملم، والقصر الكبير 3 ملم، في حين توزعت كميات أقل، على شفشاون ووزان (2 ملم)، والعرائش وجرادة (1 ملم)، وهي أرقام، قد تبدو خجولة، لكنها تظل أفضل من صمت السماء، الذي طبع سنوات طويلة.
وبالتوازي مع الأمطار، عادت الثلوج لتزور قمم الأطلس المتوسط والكبير، في مشهد افتقده المغاربة، خصوصًا في المناطق الجبلية، التي ارتبطت معيشتها تاريخيًا ببياض الشتاء.
ففي إقليم أزيلال، اكتسى جبل موريق بحلة بيضا،ء بلغ سمكها 5 سنتيمترات في القمة، و2 سنتيمتر في السفح، بينما سجل جبل أزوركي 3 سنتيمترات في القمة، وسنتيمترًا واحدًا في السفح. أما منطقة آيت عبدي، فقد شهدت تساقطات ثلجية مهمة نسبيًا، بلغت 10 سنتيمترات في السفح، ما يبشر بتحسن مخزون المياه الجوفية، ويُنعش آمال الساكنة المحلية.
وفي إقليم تازة، عاد جبل بويبلان ليتصدر المشهد الشتوي، مسجلًا 15 سنتيمترًا من الثلوج في القمة، و5 سنتيمترات في السفح، في صورة تعيد للأذهان، مواسم كانت الثلوج فيها، عنوانًا طبيعيًا لا استثناءً نادرًا.
صحيح أن هذه التساقطات ،لا تمحو آثار سنوات الجفاف، ولا تُصلح وحدها أعطاب السياسة المائية، ولا اختلالات تدبير الموارد، لكنها تظل رسالة، من السماء مفادها أن الأمل، وإن تأخر، لا يموت. فالمطر حين يعود، لا يسقي الأرض فقط، بل يُنعش النفوس، ويُذكر الجميع بأن الطبيعة، مهما قست، قادرة على منح فرصة جديدة… لمن يُحسن الإصغاء والاستعداد.




